توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أميركا والشرق الأوسط... الاستراتيجية الغائبة

  مصر اليوم -

أميركا والشرق الأوسط الاستراتيجية الغائبة

بقلم : إميل أمين

لم يعد التساؤل عن الحضور الأميركي في الشرق الأوسط يشغل تفكير سكان المنطقة من العرب فحسب، بل بات كذلك يؤرق الكثير من الأميركيين الثقات، من عند كبار الدبلوماسيين والمفكرين، وصولاً إلى رجالات الاستخبارات والأمنيين ممن اعتركوا عالم المعارك الماورائية، وعاشوا في كواليس المنطقة السرية؛ ما يعني أن تلك المنطقة لا تزال مهمة بدرجة كبرى للولايات المتحدة، ولا غنى عنها، كما أن الانسحاب منها مرة وإلى الأبد، ضرب من ضروب الرفاهية لا يمكن القبول به.
عبر مجلة «ناشيونال إنترست»، الأميركية ذائعة الصيت، انتقد الخبير الاستراتيجي الأميركي، ورجل الاستخبارات الخارجية لأكثر من ثلاثة عقود، أندريو. إس. غيلمور، غياب أي رؤية أو توجه استراتيجي لبلاده في المنطقة التي تعد مهد الحضارة الإنسانية والدينية، مشيراً إلى أن النفوذ الصيني والروسي يتزايد على نطاق واسع في العالم العربي من جراء التقاعس الأميركي، وإخفاقات نظريات رؤساء أميركيين، لا سيما القيادة من وراء الكواليس، باراك أوباما وشركاؤه.
يعنّ للمرء أن يتساءل مفتتح الكلام «هل لأميركا استراتيجية بالفعل في الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين على وجه التدقيق، أم أن سياساتها لم تكن أكثر من ردات فعل انتقائية وربما انتقامية من غير رؤية استشرافية؟».
الثابت للذين يتابعون تطورات السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، أن هناك رغبة عارمة في الانسحاب والانعزالية، والمقالات ترتفع في وسائل الإعلام المختلفة عن الشرق الأوسط الذي لم يعد يستحق ما يبذل فيه من جهد، أو المنطقة التي لم تعد تهم الأميركيين كثيراً، وما بين هؤلاء وأولئك تعلو الدعوات للتركيز على التهديدات الأكثر إلحاحاً من روسيا والصين... ألم يقل الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، على سبيل المثال، إنه لا يوجد في الشرق الأوسط سوى الدماء والرمال؟
أصحاب الرايات الفاقعة والأصوات الزاعقة من الداعين للعودة والتمترس وراء محيطين، غاب عن أذهانهم أن واشنطن وطوال أربعة عقود من الحرب الباردة، قد حققت أهدافها في الشرق الأوسط، بدعم ومشاركة، بل ومباركة من معظم النخب المحلية سياساً واقتصادياً، ونجحت في حشد نفوذها الدبلوماسي، واحتوت الحروب العربية - الإسرائيلية، كما لعبت الدبلوماسية الأميركية دوراً رائداً ومنفرداً في نسج خيوط السلام.
غير أنه ومن متناقضات القدر يبدو المشهد الأميركي في الشرق الأوسط مرتبكاً وملتبساً، حتى بعد أن انفردت واشنطن بمقدرات العالم، وباتت القطب الوحيد القادر على الأخذ بزمام المبادرات الجريئة والخلاقة لتغيير الأوضاع وتبديل الطباع، في حين أخذ نفوذها في التدهور لدى دول حليفة لواشنطن شرق أوسطياً من جراء الشكوك والهواجس التي تنتابها - عن حق – تجاه توجهات واشنطن المستقبلية، ومعالم سياساتها غير الواضحة آنياً.
يكفي النظر إلى الموقف الأميركي من إيران وبرنامجها النووي دليلاً على ضبابية الرؤية الأميركية تجاه الإقليم الذي وصفه أبو السياسة الأميركية هنري كيسنجر في مؤلفه الأخير «النظام العالمي... تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ»، بأنه إقليم مشدود بين الماضي والحاضر، ومن غير مقدرة ما على مشاغبة المستقبل.
ولعل التساؤل الجوهري في هذه السطور «مع دعوات الانسحاب ألم تعد واشنطن مهتمة بالفعل بالوجود في الشرق الأوسط وحماية مصالحها الحيوية؟».
حديث المصالح يعود بنا إلى ثنائية تقليدية كثر الحديث من حولها في العقود التي تلت العام 1948، وتمثلت في سهولة ويسر في أمرين؛ تأمين تدفق النفط، سائل الحضارة المعاصرة، ومن ناحية أخرى تأمين أمن وأمان دولة إسرائيل، التي كانت فتية في ذلك الوقت.
على أن حركة التاريخ، كان لها أن تخلق مصالح أميركية جديدة في المنطقة، لا سيما بعد أن شبت إسرائيل عن الطوق، وأضحت قادرة على الدفاع عن نفسها، حتى ولو أغضب الأمر العم سام.
كما أن فكرة الاعتماد المطلق على نفط الشرق الأوسط، قد شاغلتها طروحات بدائل الطاقة، والنفط الصخري.
اليوم باتت مصالح أميركا أوسع نطاقاً، فهناك الإرهاب طاعون العصر، ذاك الذي يهم أميركا محاربته صباح مساء، وهناك محاولة قطع الطريق على الدب الروسي والتنين الصيني الساعين لإحلال نفوذهما والحصول على نصيب وافر من الإرث الأميركي، ناهيك عن منع إيران من الحصول على السلاح النووي.
إضافة إلى ما تقدم، جاءت أزمة الطاقة الأخيرة، لتشير إلى الحاجة إلى عقود طوال إلى النفط في صورته التقليدية من منابع الشرق الأوسط.
بالإضافة إلى ما تقدم، يطفو على السطح أمر حيوي وجوهري، ألا وهو حماية أميركا لحرية الملاحة في الممرات البحرية، واحتواء من يحتمل أن يسعى ليفرض هيمنته عليها من أعداء الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وهم غير خافيين عن الأعين في الحل والترحال.
النرجسية الأميركية، أو البراغماتية المستنيرة تستدعي من الأميركيين طرح التساؤل التالي «هل لدينا استراتيجية تحافظ على تلك المصالح الحيوية؟»
في عدد أخير لها تناقش مجلة «الفورين أفيرز» ما طرحه الدبلوماسي الأميركي الشهير، مارتن إنديك، في مؤلفه الأحدث «سيد اللعبة... هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط». وخلاصة الكلام، أن على إدارة الرئيس جو بايدن اللجوء إلى النموذج الكيسنجري، والعمل على صياغة نظام إقليمي تدعمه الولايات المتحدة، بحيث لا تظل هي اللاعب المهيمن، بل الأكثر نفوذاً وتأثيراً.
عوضاً عن الانسحاب؛ على أميركا ومن جديد الانخراط شرق أوسطياً عقلياً لا عسكرياً، لتفهم حضاراته وحركات سياساته، ثقافته وروحانياته، آماله وآلامه... الهروب لا يفيد واشنطن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا والشرق الأوسط الاستراتيجية الغائبة أميركا والشرق الأوسط الاستراتيجية الغائبة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt