توقيت القاهرة المحلي 08:22:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مائة عام من الدهشة

  مصر اليوم -

مائة عام من الدهشة

سمير عطا الله
بقلم:سمير عطا الله

في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، فقدت فرنسا مارسيل بروست مؤلف «البحث عن الوقت الضائع»، أضخم عمل روائي في آداب العالم، وأشهر أدباء فرنسا على الإطلاق كثرتهم وشهرتهم. المثير أن حياة بروست القصيرة كانت نوعاً من الدراميات البشرية، التي حاول إعادة كتابتها كتّاب كثيرون حول العالم، أفضلهم، في اعتقادي، النمساوي ستيفان زفايغ، الذي هو من أفضل كتّاب السِيَر، في صورة خاصة، إضافة إلى إبداعاته في الرواية والسفر والمذكرات والتاريخ. وقد كانت حياة زفايغ ذروة الدراما هو أيضاً، إذ عاش سنوات الحرب العالمية الثانية تائهاً في أوروبا، إلى أن انتحر هو وزوجته في البرازيل احتجاجاً على فظاعة البشر (60 عاماً).

الأهمية الأخرى والقصوى في حياة بروست كانت المدرسىة التي تركها خلفه: في أميركا، في بريطانيا، في أميركا اللاتينية. ليس من كاتب كبير في القرن الماضي لا ترى فيه أثراً واضحاً لأسلوب بروست في جمع التفاصيل، ومن ثم في نثرها. ويتراءى لي - على سبيل المثال - أنه عندما طلب ناشر غابرييل غارسيا ماركيز منه أن يختصر روايته «مائة عام من العزلة» من 800 إلى 400 صفحة، فإن ماركيز كان في الحجم الأول يقلد بروست.
أعطي مارسيل بروست الكثير وحرم من الكثير.
أحب بلاده، ولكن نادراً ما أمكنه أن يراها، حتى الربيع، فإن حبوب اللقاح الدقيقة الرائعة، وقسوة الطبيعة وخصوبتها كانت تؤثر بشكل مؤلم جداً على جسمه الحساس.
أحب الزهور بشغف وحماس، ولكنه لا يستطيع الاقتراب منها، وحتى عندما يحمل صديق له إلى غرفته، وردة القرنفل، يضطر لإبعادها طالباً منه رميها.
كان أحياناً يذهب بالسيارة، أو في عربة مغلقة، ليرى من خلف النوافذ الزجاجية الألوان والأزهارالحيّة التي يحبّها، ويأخذ معه دائماً كتباً، وكتباً وأكثر، ليقرأ عن السفر وعن البلدان التي يصعب الوصول إليها. وبمجرد وصوله إلى البندقية، شعر بالتعب. وكل رحلة من الرحلات تسبّبت له في خسائر فادحة من قوَّته، وفي النهاية استسلم وعاش في باريس وحدها.
جعله المرض يزداد دقّةً في إدراكه لكل شيء، كانعكاس الأصوات في المحادثة، والزينة في شعر المرأة، والطريقة التي يجلس بها شخصٌ ما أمام الطاولة أو ينهض من ورائها، وكل زخارف الحياة الاجتماعية، تثبت نفسها بقوة في ذاكرته.
تلتقط عيناه اللتان تراقبان باستمرار أدق التفاصيل، كل القيود والاختلافات والتعرجات والترددات في أي محادثة، وكل اهتزاز يصل إلى أذنيه. لذلك، فهو قادر في روايته المؤلفة من مائة وخمسين صفحة، أن يتذكر محادثة «الكونت نوربوا» بلا تردد، فعيناه مستيقظتان ونشيطتان لتعويض ضعفه الجسديّ.
في الأصل كان والداه ينويان أن يكرّس نفسه للدراسة والدبلوماسية، لكن كل ما حاولا فعله كانت تعيقه حالته الصحيّة السيئة. ولذا، خفف الوالدان الضغط عليه، خصوصاً أنهما كانا ثريين.
إلى اللقاء...

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مائة عام من الدهشة مائة عام من الدهشة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 07:12 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

روبوت ذكي جديد يحدد الأشجار العطشى بدقة مذهلة
  مصر اليوم - روبوت ذكي جديد يحدد الأشجار العطشى بدقة مذهلة

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt