توقيت القاهرة المحلي 23:49:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الناجى» من «الشوطة»

  مصر اليوم -

«الناجى» من «الشوطة»

بقلم - محمود خليل

فى بداية حكاية عاشور الناجى -من رواية الحرافيش- كتب الراحل «نجيب محفوظ» جملة سخية بالمعانى، مشحونة بالدلالات، جاءت على لسان الشيخ «عفرة زيدان» يقول فيها: «تُدفن القلوب فى ظلمة الإثم».

القلب سر الحياة ومصدرها، والمايسترو الذى ينظم إيقاع حركة الجسد ككل. توقف دقاته وسكون نبضاته يعنى الموت، لكن عبارة نجيب محفوظ تقول غير ذلك، فقلب الإنسان قد يموت ويُدفن ومع ذلك يظل الجسد حياً، أو يصبح صاحبه «ميتاً بالحياة» كما يصف المثل المصرى صنفاً معيناً من البشر. توقف القلب عن العمل لدى «الميت بالحياة» يعنى ببساطة تحوله إلى فصيلة أخرى غير فصيلة البشر، وإن كنا لا نعلم على وجه الدقة أسرار قلوب خلق الله -من غير الإنسان- وهل تحس وتشعر وتميز بين الخير والشر، كما يفعل القلب الإنسانى.

طريق أساسى يؤدى إلى إمراض القلب ثم موته. إنه طريق الإثم. كل البشر يقعون فى الآثام، بل بإمكانك أن تقول إنهم جميعاً شركاء فى الإثم، منهم من يتنبّه ويفيق فيستغفر خالقه ويتوب، ومنهم من يواصل غيَّه، ويساير هوى نفسه، فيغريه الإثم بالمزيد من الآثام، ويظل كذلك حتى يُمسى الإثم جزءاً منه، ومن يطول به السير فى طريق يصعب عليه العودة منه. الرحلة تبدأ بارتكاب الإثم جرياً وراء مغنم أو مطمع أو مصلحة أو فائدة أو لذة معينة، وبمرور الوقت يُمسى ارتكاب الإثم بلا هدف، فصاحبه يفعله لأنه أصبح جزءاً من تركيبته، سواء حقق من خلاله نتيجة أو لم يحقق.

لا يلتفت الشخص الذى يصل إلى هذه الحالة إلى أى كلام ينبهه إلى ما هو فيه، فعقله قادر دائماً على تبرير الإثم، على اعتبار أن الشر هو الأصل فى الحياة، وأن من لا يظلم الناس يُظلم، ووصوله إلى هذه الحالة يعنى موت شعوره بالأشياء والأشخاص من حوله، وبالتالى يصعب عليه أن يتوقف فى لحظة ويسأل نفسه سؤالاً محايداً عن درجة السلامة فى أدائه فى الحياة.

فالإثم يلفه من كافة النواحى، ويستحوذ على قلبه بشكل كامل. وهناك حديث شديد الدلالة يقول فيه النبى صلى الله عليه وسلم: «الإثم حوّاز القلوب»، فهو يسكن قلب الإنسان ويدفع عقله إلى التبرير وليس التفكير الذى يؤدى إلى الوعى بالذات. ووصول القلب إلى هذه الحالة يعنى ببساطة أن القلب مات واندفن. «تُدفن القلوب فى ظلمة الإثم».

عبارة نافذة تلك التى سكّها نجيب محفوظ، ومثّلت أداة لفهم كل تفاعلات حكاية عاشور الناجى الذى امتلك قوة أسطورية على مستوى الجسد، وقلباً حياً نابضاً بمحبة الخير على مستوى الشعور والإحساس، لم يسمع إلى دعوات من حوله لكى يستخدم قوته فى أذية الناس حتى يستطيع أن يكسب قوته ويثرى وتنتعش حياته بالآمال، لأنه وضع وصية شيخه «عفرة زيدان» بين عينيه، وأبى أن يضع قوته فى خدمة الشيطان. كان بإمكانه أن يُخضع رقاب من حوله بقوته، لكن قلبه البرىء حال بينه وبين ذلك.

مثل غيره من البشر وقع «عاشور» فى بعض الأخطاء، لكن سرعان ما انتبه إلى ذلك ورنّت بداخله أجراس الضمير فعاد إلى طبيعته الطيبة، وهيأه نقاؤه لأن يكون «الناجى الوحيد» من «الشوطة». يقول الله تعالى: «إنَّ الذين اتقوا إذا مسَّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون».

رحم الله نجيب محفوظ الروائى الفذ الذى استطاع الاستفادة من كل روافد الثقافة المصرية الأصيلة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الناجى» من «الشوطة» «الناجى» من «الشوطة»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt