توقيت القاهرة المحلي 13:27:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العقل فى «سوق التفاهة»

  مصر اليوم -

العقل فى «سوق التفاهة»

بقلم - محمود خليل

الأديان كلها تدعو إلى إعمال العقل كوسيلة للإيمان بخالق السماوات والأرض. كتب عباس محمود العقاد كتاباً كاملاً عنوانه «التفكير فريضة إسلامية»، أكد فيه دعوة الإسلام إلى التفكر والتدبر والتأمل فى الذات والآخر، والتأمل فى الحياة والكون المحيط واستخلاص القوانين الحاكمة له.

الإيمان بالله عمل من أعمال العقل، ويسكن بعد ذلك فى القلب. وفكرة الإيمان الآلى التى تصف أن هذه الشخصية أو تلك من شخصيات الصحابة وتابعيهم آمنت بمجرد أن سمعت آيات الذكر الحكيم لا تنهض أمام أى تحليل علمى متأنٍّ لنصوص التراث، فعمر بن الخطاب -رضى الله عنه- عاش رحلة من التفكر والتدبر قبل أن يعلن إسلامه، ولم يؤمن بتلك الصورة الآلية التى رسمها البعض، حين قرأ آيات من كتاب الله كانت فى يد شقيقته، ورحلة سلمان الفارسى فى البحث عن الإيمان مشهورة، والمغامرة العقلية التى خاضها أبوذر الغفارى معروفة.

كل تجارب الإيمان تشهد على عقل توقف وفكّر وتدبّر الأمر ليستقر الإيمان بعدها فى القلب.. أتدرى لماذا؟ لأن الإيمان رأس الحكمة، وجائزته الكبرى: «ومَن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتىَ خيراً كثيراً». ولا حكمة بغير عقل يفكر ونفس تتأمل.

الجيل الأول من الصحابة امتلك عقولاً نقدية، فهمت الفارق بين التسليم الإيمانى للخالق، والتفاعل الناقد مع غيرهم من خلق الله، ممن يتساوون معهم فى امتلاك العقل. التسليم للخالق مثّل بالنسبة لهم قمة العقل، فأين يذهب الإنسان من الخالق الذى يملك ناصية حياته وموته؟ وممارسة الحق فى نقد من حولهم مثّل قمة التعقل، انطلاقاً من أنهم بشر مثلهم يخطئون ويصيبون. انتقد عمر بن الخطاب موقف أبى بكر فى حرب الردة، ثم تبين له فيما بعد أن أبا بكر كان أصوب رأياً، وانتقد عوام المسلمين (رجالاً ونساء) عمر بن الخطاب فى بعض المواقف، وانتقد بعض الصحابة أداء عثمان، ثم انتقد بعضهم أداء على بن أبى طالب. الكل كان ينظر إلى الأحداث من منظوره العقلى ثم يقول رأيه بأقصى درجات الشجاعة.

تاريخ التقدم فى حياة المسلمين ارتبط بالفترات التى مورست فيها حرية العقل والتفكير، أما تراجعهم فارتبط بالفترات التى أدخلتهم فيه بعض التجارب إلى حظيرة الطاعة والتسليم. بإمكانك أن تعاير بهذا المعيار فترات الصعود والهبوط فى تاريخ الدولة الأموية ثم العباسية، وتتعرف على الكيفية التى انهار بها دور العقل فى حياة المسلمين، حتى وصل إلى ما وصل إليه أواخر عصر المماليك، وخلال العديد من فترات الحكم العثمانى.

المتأمل لحال الشارع المصرى على سبيل المثال أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، يجد أغلب الساعين فيه قد باعوا عقلهم فى سوق التفاهة، فمنهم من أصبح يجرى وراء مجنون مكانه «المورستان» يظن فيه الولاية ويطلب منه البركة، ومنهم من انشغل بأحمق يخلع ملابسه فى الشارع ويقول إن ذلك علامة من علامات الدخول فى كتيبة الأولياء الصالحين، ومنهم من يتزاحم على الدار التى يقول الناس إن فيها عجيبة من عجائب الزمن، وهى طفل برأس فيل، ولدته امرأة بسبب تنزهها قبل الولادة فى بركة الفيل ووحمها على الفيل الشهير الذى كان يشرب منها، ومنهم من تزاحم فى المقابل على البقرة التى ولدت عجلاً برأسين.

لذا تجد أنه عندما غزا نابليون بر مصر عام 1798 قاومه المصريون بـ«الحماسة» وليس بـ«العقل»، يكفى أن تستدعى مشهد عمر مكرم وهو يحمل البيرق النبوى ليلهب حماس المصريين ويدعوهم إلى الجهاد ضد الغازى، وصرخات الشيخ سليمان الجوسقى، ثم انظر على سبيل المثال كيف وصف «الجبرتى» الثوار المصريين فى ثورة القاهرة الأولى بحشرات الحسينية وحرافيش بولاق والزعار والمنسر وغير ذلك، لأنهم خرجوا يخربون وينتقمون، ولم يكن فى بالهم تغيير أوضاعهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العقل فى «سوق التفاهة» العقل فى «سوق التفاهة»



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt