توقيت القاهرة المحلي 19:19:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التعليم وسباق الاستهلاك

  مصر اليوم -

التعليم وسباق الاستهلاك

بقلم - محمود خليل

ثنائية التعليم المجانى والتعليم بمصروفات من الثنائيات الأساسية التى كانت ولم تزل تحكم الفكر التعليمى فى مصر. بدأ محمد على الرحلة بالمجانية، لكن خليفته على كرسى ولاية مصر، وهو ولده إبراهيم باشا، كان يرى غير ذلك، إذ تبنى فلسفة تقاسم التكلفة بين الحكومة والأهالى، فقد تنبه إلى النقلات الاجتماعية والاقتصادية التى أحدثها التعليم فى حياة العديد من الأسر المصرية التى كانت تشكو الضنك وتواضع الحال بعد أن تعلم أحد أبنائها.

يؤشر هذا التوجه إلى ميلاد نظرة خطيرة من جانب السلطة إلى التعليم، حين وجدت نفسها مضطرة إلى القيام بدورها على هذا المستوى، فبعد توسع قاعدة التعليم وزيادة عدد الملتحقين بالمدارس بدأت الدولة -حينذاك- تنظر إلى التعليم كعبء، بات ذلك واضحاً فى توجه الوالى إبراهيم الذى تبنى نظرية إشراك الأهالى فى تحمُّل تكلفة تعليم أولادهم، وأخذ شكلاً عملياً فى عصرى عباس وسعيد، ولم يسمح الاثنان بالتعليم إلا فى إطار ما تطيقه الدولة، فتراجع مساره خلال عهديهما كثيراً، حتى جاء الدور فى الحكم على الخديو إسماعيل الذى أحيا نظرية أبيه إبراهيم فى تحميل الأهالى تكاليف تعليم أبنائهم، فعرفت مصر فى عصره المدارس الخاصة، وبدأت الظاهرة فى التوسع، حتى بات التعليم حكراً على الأسر التى تملك المال، ولم يعد للفقراء من وسيلة لدخول المدرسة سوى التفوق، ليحصلوا على منحة كاملة أو نصف منحة، تبعاً لدرجة التفوق.

منذ عصر إسماعيل وحتى الآن وهناك «خناقة» كبيرة مشتعلة حول المجانية والتعليم بمصروفات، فالحكومات تريد أن تحمِّل الأهالى التكلفة، والأهالى يرون أن المجانية باتت حقاً مكتسباً منذ قيام ثورة يوليو 1952. وفى خضم هذه الخناقة لم يلتفت كثير من أفراد الشعب إلى تراجع قيمة الشهادة بدءاً من الثلاثينات وحتى الآن، إذ لم تعد فى بعض الأحوال أداة للصعود الاجتماعى والاقتصادى كما كانت فى البدء. الجدوى الأخطر للشهادة ظهرت عقب تفجر البترول فى الخليج، حين أتيح لحَمَلة الشهادات فرص السفر والعمل، وباتوا منذ ذلك الحين مصدراً مهماً للعملة الصعبة التى توافرت للحكومات المتعاقبة، وظل الأمر داخلياً على ما هو عليه، وشهد المزيد من التراجع فى جدوى الشهادات، مقابل تمسك محموم من جانب الناس بها، حتى ولو دفعوا فى ذلك آخر مليم فى جيوبهم.

الولع بالشهادة الخالية من التعليم الحقيقى، والمدرسة والجامعة التى باتت مجرد مكان لمنحها، وحسابات التكلفة التى أصبحت تسبق الجودة، كل ذلك أدى إلى ارتدادات لا حصر لها على المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بل والسياسية أيضاً. فقد بات خريجو المدارس والجامعات أقل وعياً وأكثر استعداداً لقبول أفكار من خارج العصر، وأحياناً من خارج العقل، واختلت أوضاع الطبقة الوسطى وسيطرت عليها الأخلاقيات الاستهلاكية، وأهلكها السباق على هذا المستوى ذهنياً ونفسياً، وكان الأصل فيه عدم تمكن قيمة العلم من النفوس قدر ما تمكنت قيمة «الشهادة» ونوعها «مصرية أم أجنبية» و«مستوى المدرسة» و«الدروس الخصوصية»، لقد انتقلنا خطوة أخطر أصبح فيها التعليم مظهراً من مظاهر الاستهلاك، ومع ارتباط فكرة الشهادة بالمجتمعات المولعة بالكلام، أصبح المتكلمون -حتى لو كانوا غير حاصلين على شهادات- أقدر على الربح، وقد أثار ذلك أوجاع أصحاب الشهادات، خصوصاً من أفراد الطبقة الوسطى، وهم يسمعون عن أرباح المتكلمين من فنانين وإعلاميين، ووصل قطار الخناق أخيراً إلى «مطربى المهرجانات»!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التعليم وسباق الاستهلاك التعليم وسباق الاستهلاك



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt