توقيت القاهرة المحلي 03:59:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قرننة المفسدين

  مصر اليوم -

قرننة المفسدين

بقلم - محمود خليل

القرننة (بمعنى تقليد قارون) لا تؤدى بصاحبها إلى سلاطة اللسان وفقط، بل تحوله أيضاً إلى آلة فساد وإفساد داخل الواقع الذى يعيش فيه. كان قوم قارون ينصحونه بالتوقف عن استهداف الفساد فى الأرض: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».

النصيحة التى وجهها قوم موسى إلى قارون صالحة لكى توجه إلى كل من يتبنى «منهجية القرننة» فى كل زمان ومكان، فهى تنبه إلى ضرورة التوازن فى النظر إلى أدوات القوة، وحسن توظيفها لخدمة الحياة وتحسين ظروفها، فإذا كان الله تعالى قد أحسن إلى الإنسان بالنعمة فلا بد أن يقابل الإنسان ذلك بحسن استخدام النعمة، فلا يجعلها أداة للبغى على الآخرين، أو التسلط عليهم، أو قهرهم وإذلالهم، إنه إن فعل ذلك تورط فى إفساد الحياة.

وجوهر الإفساد هنا لا يرتبط بالثراء فى حد ذاته، لأن البشر يتفاوتون فى أرزاقهم، ودرجة غناهم أو فقرهم، تلك هى طبيعة الحياة، بل يتعلق بتركيز الثروات فى يد شخص أو عدة أشخاص. فتركيز الثروات يعنى ضرب فكرة العدالة وتكافؤ الفرص داخل المجتمع، إذ تتاح كل مساحات الكسب والنمو أمام أشخاص بأعينهم، ويحرم باقى المجموع منها، وهذا هو المقصود بالبغى الذى أشار القرآن الكريم إليه فى قوله تعالى: «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ».. فالبغى يعنى انتقاص حقوق الآخرين.

الله تعالى لا يحب المفسدين، لأنهم يعملون ضد حكمته ومشيئته، فقد خلق الله الدنيا للإنسان كى يعمرها ويهيّئها لحياة أفضل له ولغيره: «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا». فولاء الإنسان للأرض أصله الانتماء إليها، لأنه نشأ من ترابها، وإخلاصه فى إعمارها مشيئة إلهية حتى تصلح الحياة عليها، وبالتالى فإن من يعملون على إفساد الحياة فوقها، بأى صورة من الصور، لا يحبهم الله، سواء عن طريق إفساد أدوات الحياة، أو ظروفها، أو إحساس البشر بها.

«القرننة» لا ترتبط بفترة زمنية معينة أو بيئة مكانية محددة، إنها حالة ليس مصدرها فرد يخرج من بين مجموعة فيتسلط عليهم بما يملك من أدوات قوة، بل مصدرها مجتمع يهيئ -بسكاته وانكفائه- الظروف والأجواء لصعود شخوص بأعينهم إلى منصات القوة، ويمهد الطريق لهم لامتلاك الأدوات التى تمكنهم من السيطرة على المجموع، والتلاعب به.

ومآلات مثل هذه الشخصيات، كما يمكن أن تتبعها فى قصة قارون هى «الخسف» بعد علو، والدفن فى ظلمات الأرض بعد التألق الزائف فوق ظهرها. يقول الله تعالى: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ».

مهما طال سكات البشر لا بد أن تأتى لحظة يتدخل فيها الخالق العظيم لإحقاق الحق، وإعادة ميزان العدالة إلى وضعه الطبيعى، وفى مثل هذه الأحوال لا يجد الظالم من يمد يده إليه ممن حوله، بعد أن داس الجميع فى طريقه، وأصبح كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قرننة المفسدين قرننة المفسدين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt