توقيت القاهرة المحلي 06:01:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قرننة المفسدين

  مصر اليوم -

قرننة المفسدين

بقلم - محمود خليل

القرننة (بمعنى تقليد قارون) لا تؤدى بصاحبها إلى سلاطة اللسان وفقط، بل تحوله أيضاً إلى آلة فساد وإفساد داخل الواقع الذى يعيش فيه. كان قوم قارون ينصحونه بالتوقف عن استهداف الفساد فى الأرض: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».

النصيحة التى وجهها قوم موسى إلى قارون صالحة لكى توجه إلى كل من يتبنى «منهجية القرننة» فى كل زمان ومكان، فهى تنبه إلى ضرورة التوازن فى النظر إلى أدوات القوة، وحسن توظيفها لخدمة الحياة وتحسين ظروفها، فإذا كان الله تعالى قد أحسن إلى الإنسان بالنعمة فلا بد أن يقابل الإنسان ذلك بحسن استخدام النعمة، فلا يجعلها أداة للبغى على الآخرين، أو التسلط عليهم، أو قهرهم وإذلالهم، إنه إن فعل ذلك تورط فى إفساد الحياة.

وجوهر الإفساد هنا لا يرتبط بالثراء فى حد ذاته، لأن البشر يتفاوتون فى أرزاقهم، ودرجة غناهم أو فقرهم، تلك هى طبيعة الحياة، بل يتعلق بتركيز الثروات فى يد شخص أو عدة أشخاص. فتركيز الثروات يعنى ضرب فكرة العدالة وتكافؤ الفرص داخل المجتمع، إذ تتاح كل مساحات الكسب والنمو أمام أشخاص بأعينهم، ويحرم باقى المجموع منها، وهذا هو المقصود بالبغى الذى أشار القرآن الكريم إليه فى قوله تعالى: «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ».. فالبغى يعنى انتقاص حقوق الآخرين.

الله تعالى لا يحب المفسدين، لأنهم يعملون ضد حكمته ومشيئته، فقد خلق الله الدنيا للإنسان كى يعمرها ويهيّئها لحياة أفضل له ولغيره: «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا». فولاء الإنسان للأرض أصله الانتماء إليها، لأنه نشأ من ترابها، وإخلاصه فى إعمارها مشيئة إلهية حتى تصلح الحياة عليها، وبالتالى فإن من يعملون على إفساد الحياة فوقها، بأى صورة من الصور، لا يحبهم الله، سواء عن طريق إفساد أدوات الحياة، أو ظروفها، أو إحساس البشر بها.

«القرننة» لا ترتبط بفترة زمنية معينة أو بيئة مكانية محددة، إنها حالة ليس مصدرها فرد يخرج من بين مجموعة فيتسلط عليهم بما يملك من أدوات قوة، بل مصدرها مجتمع يهيئ -بسكاته وانكفائه- الظروف والأجواء لصعود شخوص بأعينهم إلى منصات القوة، ويمهد الطريق لهم لامتلاك الأدوات التى تمكنهم من السيطرة على المجموع، والتلاعب به.

ومآلات مثل هذه الشخصيات، كما يمكن أن تتبعها فى قصة قارون هى «الخسف» بعد علو، والدفن فى ظلمات الأرض بعد التألق الزائف فوق ظهرها. يقول الله تعالى: «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ».

مهما طال سكات البشر لا بد أن تأتى لحظة يتدخل فيها الخالق العظيم لإحقاق الحق، وإعادة ميزان العدالة إلى وضعه الطبيعى، وفى مثل هذه الأحوال لا يجد الظالم من يمد يده إليه ممن حوله، بعد أن داس الجميع فى طريقه، وأصبح كالمنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قرننة المفسدين قرننة المفسدين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt