بقلم: د. محمود خليل
المقدمة الأكثر منطقية لإثارة أى نقاش حول التنوير والأفكار التنويرية لا بد أن تبدأ من تحديد دقيق لمدلول مصطلح «تنويرى».. فى تقديرى أن «التنويرى» هو الشخص الذى ينظر إلى الموروث ومعطيات الواقع بعين إيجابية تركز بالأساس على النقاط المضيئة فيما تركه الأجداد، وكذا النقاط المضيئة التى أوجدها المعاصرون.
التنوير إذن معادلة لها طرفان: التراث والمعاصرة.. والتنويرى هو -ببساطة- الشخص الباحث عن تحقيق التوازن الإيجابى بين هذين الطرفين.
على مستوى الطرف الأول للمعادلة، المتمثل فى التراث، فإن التوازن يعنى استيعاب أن الإنسان لا يستطيع الانخلاع من جذوره التى تشكّل إيمانه بخالق الحياة وقابضها، وكذلك إيمانه بالآخرة التى فيها معاده وحسابه، وتفهُّم أنه ليس فى مُكنة الفرد، وكذلك المجتمع الذى يعيش فيه، التخلى عن القيم والأخلاقيات المستمدة من دينه، لأنها وحدها القادرة على إيقاظ ضميره، ودفعه إلى أداء سلوكى يحقق السلام والتفاهم والتسامح والتراحم وغيرها بين أفراد المجتمع. وفى الوقت نفسه إدراك أنه بعيداً عن القرآن والسنة الصحيحة يحق لأى مسلم أن يراجع الموروث البشرى، بشرط امتلاك القدرة والأدوات والرغبة الصادقة فى تحرير التراث من الغبش الذى تم تأليفه خدمة لأنظمة وسلاطين، وليس لصالح الدين أو دنيا المسلمين.
وعلى مستوى الطرف الثانى للمعادلة، المتمثل فى المعاصرة، تظهر ضرورة الاندماج فى العصر والأخذ بمعطياته، ويتطلب التوازن التنويرى على هذا المستوى التمييز بين الصالح وغير الصالح والمناسب وغير المناسب للمجتمع، ودمج الأصلح والأنسب فى الفكر الاجتماعى العام، لما فيه من فائدة للمجموع، كما يفرض التوازن على هذا المستوى التأكيد على أن «المعاصرة» لا تعنى فقط أن يكون المجتمع مستهلكاً للنتاج الحضارى (الفكرى والمعرفى والتكنولوجى) للمجتمعات الأخرى، بل لا بد أن يعتمد التنوير على إشاعة قيم العلم والعقلانية والتطوير التكنولوجى، بحيث يندفع المجتمع إلى المساهمة فى الإنتاج الحضارى للبشرية.
من هذا المنظور يجمع مصطلح التنوير تحت مظلته الكثيرين.
فهو أولاً يضم كل المجتهدين فى تنقية التراث بأدوات موضوعية منهجية لا تستهدف التشكيك المريض فى عقائد الناس، بل تبدأ من أرضية شك لتنتهى إلى حقائق أكثر تماسكاً ودقة وموضوعية، إنها العقلية المجتهدة التى تعمل بنفس المنهجية التى اعتمدها البخارى وهو يراجع الأحاديث التى أدرجها فى صحيحه، حين كان يبدأ بالتشكيك فى سندها ثم يختبر شكه بخطوات منهجية معتبرة حتى يحدد الصحيح من الزائف منها.. وتماماً مثلما فعل طه حسين -مع الفارق- فى مؤلفه «فى الشعر الجاهلى» وهو يراجع الصحيح والمنحول فيما نُسب إلى العصر الجاهلى من أشعار.
وهو يضم ثانياً كل المفكرين الساعين إلى نشر قيم العقلانية وتحرير العقل والفكر والرأى وغيرها من القيم المضيئة القادرة على الابتعاد بالفرد عن آفات الدجل والخرافة والهوى والتعصب.. ولدينا نموذج واضح على هذا المستوى يتمثل فى الدكتور زكى نجيب محمود الذى ساهم فى نشر قيم العقلانية والتفكير العلمى داخل المجتمع من منطلق رؤية إسلامية عصرية متزنة تجد معالمها فى كتابيه: «رؤية إسلامية» و«مجتمع جديد أو الكارثة».
وهو يضم ثالثاً كل الباحثين المجتهدين فى معامل العلم والتكنولوجيا الذين يسعون إلى نقل النتاج المضىء للعصر إلى المجتمع، ويبذلون الجهد فى الإضافة إليه، مثل المرحوم الدكتور أحمد زويل، والدكتور مجدى يعقوب، المصرى النبيل الذى تمتد مظلة عطائه إلى البشرية كلها، لكنه يخص أهله من المصريين -دون تمييز- بالنصيب الأوفر منها.