توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشيطان يعظ

  مصر اليوم -

الشيطان يعظ

بقلم: د. محمود خليل

المجتمعات التي فقدت عقلها تعيش حياة مزيفة، ما أكثر الأحاديث المعسولة التي تسمعها تتردد في أنحائها، ولكنك إذا فتشت في تفاصيل سلوكيات أفرادها وأدائهم فسوف تجد العكس تماما، تسمع صوتا يحدثك عن أهمية العقل وقيمته باللسان، في حين تجد الأفعال هوجاء عابثة، صوت آخر يحدثك عن الكرم والعطاء، ثم تجده أكثر من يغل يده عن أي عطاء.

أسهل شيء على أبناء المجتمعات التي فقدت عقلها هو ترديد الشعارات التي تطرب السامعين، لكنك إذا فتشت في الأفعال فستجد واقعا مغايرا تماما، المجتمعات التي فقدت عقلها لها حياتان متناقضتان: حياة متألقة في الكلمات، وحياة منطفئة في الواقع.

يقول الله تعالى في محكم آياته: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ».

إنها قمة السفه أن تجد بشرا يأمرون الناس بالبر والأعمال الخيرة في وقت لا يصنعون فيه إلا السوء وأحط الأعمال، والمثير أنّ هؤلاء الناصحين يقعون في هذا التناقض الخطير بين الأقوال والأفعال وهم يتحدثون باسم الدين (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ)، فأين العقل في ذلك؟

يقول المفسرون إنّ هذه الآية الكريمة نزلت في شأن اليهود الذين كانوا يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، وقال بعضهم إنّها نزلت أيضا في شأن المنافقين الذين كانوا يأمرون الناس بالصلاة والصيام، ثم لا يصلون ولا يصومون ويأتون كل رديء من السلوك.

فالفرد أو المجموع العاقل لا يؤدى على هذا النحو، فينصح بقول ثم يأتي عكسه، بل تتسق أقواله مع أفعاله، ولا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه، إنه التناقض الذى نبه إليه نبي الله شعيب حين خاطب قومه، كما يحكى القرآن الكريم، قائلاً: «وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».

المتاجرة بالشعارات مظهر من مظاهر التردي العقلي، وغالبا ما يعقبه تحول يصير فيه الأفراد مخالب تنهش فس بعضها البعض، وعملية النهش هنا تتم تحت أرقى الشعارات وأجمل الكلمات، وقد لا أبالغ إذا قلت لك إنّ الأمر قد يصل في أحيان إلى الاعتداء على حقوق الآخرين باسم الله، والله تعالى بريء ممن يلعبون هذه اللعبة، التي يرفعون فيها شعارات البر وهم يمارسون السحق على الآخرين.

هل تذكر تلك العبارة التي سكَّها نجيب محفوظ في إحدى مجموعاته القصصية: «الشيطان يعظ»، إنها تعبر لك عن فخ التناقض الذي تقع فيه المجتمعات التي فقدت عقلها، حيث يكون حديث الوعظ من أكثر الأحاديث التي تشيع فيها، ولكن عندما تفتش عن السلوكيات تجدها لا تستند إلى قيم أو مبادئ أو أخلاقيات.

إن أحاديث العظة في مثل هذه الأحيان تتشابه مع الشيطان حين يعظ، وقد حكى لنا القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: «كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ».

تخيل الشيطان بعد أن يضل الإنسان يتبرأ منه ويعظه ويقول له: «إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ».. هل هناك ضلال وفقدان للعقل أكثر من ذلك؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشيطان يعظ الشيطان يعظ



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt