توقيت القاهرة المحلي 06:01:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشيطان يعظ

  مصر اليوم -

الشيطان يعظ

بقلم: د. محمود خليل

المجتمعات التي فقدت عقلها تعيش حياة مزيفة، ما أكثر الأحاديث المعسولة التي تسمعها تتردد في أنحائها، ولكنك إذا فتشت في تفاصيل سلوكيات أفرادها وأدائهم فسوف تجد العكس تماما، تسمع صوتا يحدثك عن أهمية العقل وقيمته باللسان، في حين تجد الأفعال هوجاء عابثة، صوت آخر يحدثك عن الكرم والعطاء، ثم تجده أكثر من يغل يده عن أي عطاء.

أسهل شيء على أبناء المجتمعات التي فقدت عقلها هو ترديد الشعارات التي تطرب السامعين، لكنك إذا فتشت في الأفعال فستجد واقعا مغايرا تماما، المجتمعات التي فقدت عقلها لها حياتان متناقضتان: حياة متألقة في الكلمات، وحياة منطفئة في الواقع.

يقول الله تعالى في محكم آياته: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ».

إنها قمة السفه أن تجد بشرا يأمرون الناس بالبر والأعمال الخيرة في وقت لا يصنعون فيه إلا السوء وأحط الأعمال، والمثير أنّ هؤلاء الناصحين يقعون في هذا التناقض الخطير بين الأقوال والأفعال وهم يتحدثون باسم الدين (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ)، فأين العقل في ذلك؟

يقول المفسرون إنّ هذه الآية الكريمة نزلت في شأن اليهود الذين كانوا يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه، وقال بعضهم إنّها نزلت أيضا في شأن المنافقين الذين كانوا يأمرون الناس بالصلاة والصيام، ثم لا يصلون ولا يصومون ويأتون كل رديء من السلوك.

فالفرد أو المجموع العاقل لا يؤدى على هذا النحو، فينصح بقول ثم يأتي عكسه، بل تتسق أقواله مع أفعاله، ولا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه، إنه التناقض الذى نبه إليه نبي الله شعيب حين خاطب قومه، كما يحكى القرآن الكريم، قائلاً: «وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ».

المتاجرة بالشعارات مظهر من مظاهر التردي العقلي، وغالبا ما يعقبه تحول يصير فيه الأفراد مخالب تنهش فس بعضها البعض، وعملية النهش هنا تتم تحت أرقى الشعارات وأجمل الكلمات، وقد لا أبالغ إذا قلت لك إنّ الأمر قد يصل في أحيان إلى الاعتداء على حقوق الآخرين باسم الله، والله تعالى بريء ممن يلعبون هذه اللعبة، التي يرفعون فيها شعارات البر وهم يمارسون السحق على الآخرين.

هل تذكر تلك العبارة التي سكَّها نجيب محفوظ في إحدى مجموعاته القصصية: «الشيطان يعظ»، إنها تعبر لك عن فخ التناقض الذي تقع فيه المجتمعات التي فقدت عقلها، حيث يكون حديث الوعظ من أكثر الأحاديث التي تشيع فيها، ولكن عندما تفتش عن السلوكيات تجدها لا تستند إلى قيم أو مبادئ أو أخلاقيات.

إن أحاديث العظة في مثل هذه الأحيان تتشابه مع الشيطان حين يعظ، وقد حكى لنا القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: «كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ».

تخيل الشيطان بعد أن يضل الإنسان يتبرأ منه ويعظه ويقول له: «إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ».. هل هناك ضلال وفقدان للعقل أكثر من ذلك؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشيطان يعظ الشيطان يعظ



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt