توقيت القاهرة المحلي 08:33:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحكمة والانفلات

  مصر اليوم -

الحكمة والانفلات

بقلم: د. محمود خليل

في القرآن الكريم تجد الكبر وبلوغ الأشُد عنواناً للحكمة في الأغلب، أما الشباب فعنوان للاندفاع والرعونة في الأغلب. وهناك آيتان في سورة «الأحقاف» دالتان إلى حد كبير على هذا المعنى.

تقول الآية (رقم 17) من السورة الكريمة: «وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ». يقول «القرطبي» في تفسير هذه الآية إنها نزلت في عبدالله بن أبى بكر أو عبدالرحمن بن أبي بكر، وكان أبواه: «الصديق وأم رومان» يدعوانه إلى الإيمان بالله ويذكّرانه بالحساب، فيتأفف منهما، ويستغرب من كلامهما عن البعث، وقد سبقه إلى الموت كثيرون من قبله، ولم يُبعث أحد من قبله، وأمام هذا الكبر والغرور يستغيث الأبوان بالله ويحذران ابنهما المتكبر المغرور قائلين: ويلك آمن، ويؤكدان له أن وعد الله حق، فيرد عليهما: ما هذا إلا أساطير الأولين.

يذكر «القرطبي» أن السيدة عائشة، رضي الله عنها، نفت أن تكون الآية نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر. وأياً من كان الشخص الذى تحكى عنه الآية فهي تصف مشهداً موجعاً بين شاب في مطلع العمر، يشعر بقوته وعنفوانه، أمام أبوين مضى بهما العمر وصقلتهما التجربة وعلّمتهما الحكمة، وهما يحذران الشاب الأرعن من أن يضيع عمره سدى فيما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة، فالوعي بمفهوم الحساب والقناعة به يصلح حال بني آدم في الدنيا والآخرة، فمن أمن العقاب وغاب عنه الحساب في الدنيا أساء الأداء مع البشر، ومن نسى حساب الآخرة ضل وزل وفسد وأفسد.

من المشهد الذي تصفه الآية (رقم 17) ننتقل إلى المشهد الذي وصفته (الآية رقم 15) من سورة «الأحقاف» والتي تحكي رحلة حياة بني آدم منذ الحمل والولادة حتى الكبر، يقول تعالى: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ».

نحن هنا أمام مشهد الرجل الذي امتطى عجلة الحياة ومر بتجارب تعلم منها حتى وصل إلى سن الحكمة، سن الأربعين، في هذه الحالة لا يحتاج الحكيم إلى من ينصحه، إنه من حال نفسه يتجه إلى الله، لو كانت الحياة قد عركته وأوجعته فعلاً، وعلمته قيمة النعم التى حباه الله بها عبر رحلته، فيتوجه إلى خالقه بشكر النعم العديدة التى أنعمها عليه، ويدعوه بأن يرزقه ويهيئه للعمل الصالح، ويبرأ إليه سبحانه من معاصيه، ويعلن استسلامه الكامل له.

إنهما مشهدان آسران للشباب وما يعترى الإنسان فيه من رعونة، وللرجولة والنضج وبلوغ الأشد بما ييسره الله للإنسان خلالها من حكمة وعمق في فهم الحياة ووضعها في حجمها الحقيقي، والبحث عن القيمة الحقيقية في إصلاح الحياة وإرضاء الخالق العظيم بالعمل الصالح.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحكمة والانفلات الحكمة والانفلات



GMT 05:33 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

الكلام لكِ يا جارة

GMT 05:31 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

«إشارة» و«ينتظرون دموعه».. قصتان قصيرتان

GMT 02:54 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

صالح أبو سمرة.. سيرة الدم فوق الحديد!

GMT 02:53 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

ترامب يهبط بإعلام أمريكا للعالم الثالث!!

GMT 02:47 2026 الجمعة ,24 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:05 2025 الإثنين ,18 آب / أغسطس

الجينز دليل لإطلالة كاملة تناسب كل المواسم

GMT 02:47 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سامسونغ تكشف عن حاسوبها الجديد Galaxy Chromebook Plus

GMT 06:13 2025 الجمعة ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

شيفروليه سبارك الجديدة بتصميم رياضي وقدرات كهربائية

GMT 08:09 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 05:08 2024 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

مرشح رئاسي معتدل ينتقد سياسة الحجاب في إيران

GMT 20:04 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

تعرف على عاصمة الشوكولاتة في العالم

GMT 21:50 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

الفيديو كليب صورة افتراضية

GMT 05:23 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

«أبل» تستعد لإطلاق أرخص «ماك بوك» في تاريخها

GMT 09:27 2020 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الجبلاية تحدد موعداً مبدئياً لانطلاق الدوري الممتاز

GMT 09:14 2020 الخميس ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الحكومة المصرية تعلن مواعيد غلق المطاعم والمقاهي والمحال

GMT 20:39 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشر الأسهم اليابانية يغلق على ارتفاع

GMT 16:40 2020 الأحد ,12 تموز / يوليو

الأهلي يطلب رفع الحصانة عن مرتضى منصور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt