توقيت القاهرة المحلي 13:27:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإنسان أصله أرنب

  مصر اليوم -

الإنسان أصله أرنب

بقلم: د. محمود خليل

فى رواية «الوارثون» يدور نقاش بين مؤلفها خليل حسن خليل، وأحد الشباب من تلامذته، يعتب الشاب على أستاذه الذى ألقى بنفسه فى مأزق كبير بسبب كلامه فى الأوضاع العامة (أواخر الستينات)، يسأله الأستاذ: وماذا كنت أفعل؟ فيجيب الشاب: تهبر لك هبرة تؤمّن بيها حياتك وحياة أولادك وأولاد أولادك. إنه الفارق بين جيلين كانا يعيشان الفترة الزمنية نفسها، يفكر أولهما فى تصحيح الأوضاع وإصلاحها، ويتبنى ثانيهما منهج «الهبر».

علمياً يختلف الأفراد فى أساليب تلقيهم وفهمهم للرسائل التى يستقبلونها من العالم المحيط بهم. على سبيل المثال الرسالة نفسها التى يتلقاها 10 أفراد من وسيلة إعلام يمكن أن تجد لها 10 فهوم، فكل فرد يفهمها بخلفيته المعرفية وتركيبته النفسية وموقفه من الواقع. الرسالة واحدة لكن أساليب التلقى تختلف. لهذا السبب تلاحظ بين نظرة «حسن خليل» ونظرة تلميذه لكيفية التعامل مع رسائل الواقع.

إذا تركت هذا المشهد الذى يدور أواخر الستينات، وقفزت فوق الحقب التالية حتى تصل إلى العقد الأول من الألفية الجديدة، فسوف تجد أن حياة المصريين بدأت تختلف جملة وتفصيلاً، خصوصاً على مستوى الرسائل التى تصل إلى أهالى المحروسة حول مسألة الفساد وما يرتبط به من هبرات.

كان الفضاء يعج بالعديد من القنوات التليفزيونية، لو جمعت عليها المدونات ومواقع الإنترنت المتاحة داخل ساحة الفضاء الافتراضى، ثم أضفت الزيادة المحسوسة فى أعداد الصحف المطروحة على الفرشات فى فضاء الشارع، فسوف تستنتج ملامح الحالة الجديدة التى بات المصريون يعيشون فى ظلها بعد زمن الشح الإعلامى.

قضايا الفساد كانت تمثل الرسالة الأهم والأبرز داخل النوافذ الإعلامية الجديدة. فالتعددية تخلق حالة شرسة من المنافسة دفعت كل نافذة إعلامية إلى محاولة السبق عبر فضح إحدى قضايا الفساد، وهو ما كان يرفع منسوب الاهتمام بها والتعرض لها. لم يكن الإعلام التقليدى أو الجديد يختلقان القضايا بالطبع، لأن الواقع كان شاهداً عليها، لكنه أبرزها وسلط الضوء عليها لتغطى على غيرها فتلقى أهالى المحروسة رسالة تقول: «الفساد هو الحالة الطبيعية للإنسان»، وأن «الإنسان أصله فاسد»، استقبل قطاع من جيل الكبار الرسالة بنوع من الامتعاض والتحم مع غيره أمام حائط المبكى على ما أصاب الناس فى ذلك العصر، فى حين انخرط قطاع من الشبان فى عَجَلة الفساد التى دارت فى اتجاهات عديدة.

فهم الصغار الرسالة كتعبير عن حالة واقعية، وليس استثنائية، وبات فساد الكبار موضوعاً أساسياً من موضوعات قعداتهم، يتفاخر كل منهم بما يملك أبوه من سيارات أو فيلات أو قصور أو شاليهات أو براندات، وكيف يكسب الملايين من صفقات يعقدها هنا وهناك، أولاد الأغنياء وأولاد المتوسطين وأولاد الفقراء شغلهم موضوع الثراء السريع، وبدأوا يلتقطون العديد من الخيوط من الرسائل التى يستقبلونها من العالم من حولهم، تتعلق ببعض الكبار الذين يستغلون نفوذهم أو وظائفهم فى حصد الملايين، بل المليارات، عبر نهب الأراضى، أو المال العام، أو أموال البنوك، أو الصفقات المشبوهة.

رسوخ فكرة الفساد لدى الأجيال الجديدة التى ظهرت على مسرح الحياة فى مصر بدءاً من الألفية الجديدة أدى إلى تبنِّى ما يمكن وصفه بنظرية «الإنسان أصله أرنب». فالحياة بالنسبة له عبارة عن قفزات تعبِّر عن حالات النمو الفجائى، وأبعد ما تكون عن فكر السلحفاة المرتكز على النمو البطىء الذى يثمر تحقيقات متواضعة بعد زمن طويل.

الرغبة فى القفز والتحقيق السريع مثَّلت واحداً من أهم العوامل التى تفسر لك ما حدث للمصريين منذ مطلع الألفية الجديدة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإنسان أصله أرنب الإنسان أصله أرنب



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt