توقيت القاهرة المحلي 05:29:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«وَلَنَبْلُوَنَّكُم»

  مصر اليوم -

«وَلَنَبْلُوَنَّكُم»

بقلم: د. محمود خليل

يُمثل الصبر في القرآن جوهر الأخلاق، فكل خلق أشار إليه القرآن وأكد ضرورة وجوده أو رسوخه في النفس الإنسانية تجد الصبر أصله. فلو أنك فتّشت في أخلاق مثل الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهود والوعود، والالتزام بالتوازن والبعد عن الفُجر عند الخصومة، والامتناع عن الغيبة والنميمة وغيرهما من الأخلاق الذميمة، كل ذلك أصله الصبر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ». فالجنة للصابرين هكذا نصاً في القرآن الكريم.

وقد جعل الله تعالى الصبر أصل الأخلاق في الحياة، لأن الحياة دار ابتلاء، والابتلاء هو الحالة التى يعيشها الإنسان ولا يستطيع أن يواجهها إلا بالصبر. يقول الله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ».

نزول الإنسان من الجنة إلى الأرض مثل أخطر وأبرز ابتلاء عاشه الإنسان، وهو ابتلاء يتوارثه بنو آدم جيلاً بعد جيل. يقول الله تعالى: «فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى». تحمل الآيات الكريمة التحذير الذى وجّهه الخالق العظيم إلى أبينا آدم حين كان يعيش في نعيم الجنة، فقد نبّهه إلى المعاناة التى ستلحق به إذا وقع في حبائل الشيطان، وأن ذلك سيؤدى إلى طرده من الجنة مستقر النعيم إلى الأرض مستقر الشقاء، فهو في الجنة لا يجوع ولا يظمأ ولا يعرى ولا يعاني من احتياج إلى شمس أو ظل، أما على الأرض فإنه موعود بالشقاء والكد من أجل الطعام والشراب والكساء، بالإضافة إلى معاناته من تقلبات بيئتها.

وأمام فكرة الحياة كدار للشقاء نبّه القرآن الكريم الإنسان إلى أمضى سلاح يستطيع أن يجابه به الدنيا، وهو الصبر، فالصبر هو حائط الصد الأمتن أمام ما يضرب بني آدم من ابتلاءات الحياة، وهي ابتلاءات متنوعة، وأولها الخوف الذي يُمثل أكبر هاجس يطارد الإنسان طوال رحلته في الحياة، الخوف على نفسه، والخوف على أحبائه، والخوف من ضياع أو هلاك ما يملك، وهكذا، وثانيها الجوع، والجوع معنى كبير يشمل كل أنواع الحرمان التي يمكن أن يعانيها الإنسان، بدءاً من الجوع إلى الطعام، وانتهاءً بالجوع إلى الحب والأنس بالغير، وثالث الابتلاءات التى يخشى الإنسان مواجهتها في الحياة هو الشح أو النقص في الأموال والأنفس والثمرات.

هذه الابتلاءات على اختلاف أشكالها وألوانها لا يستطيع الإنسان أن يواجهها إلا بالصبر والتحمل حتى يُبدل الله تعالى الأحوال ويجعل من بعد عُسر يسراً. لقد بشر الله تعالى الصابرين الذين إذا أصابتهم واحدة من مصائب الدنيا ردّوا الأمر إلى صاحب الأمر سبحانه وتعالى، وردّدوا أن كل شيء في هذه الحياة بيد الله وأن البشر جميعاً لله وسوف يرجعون في لحظة مقدورة إليه.

الصابرون تشملهم رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة. ودليل رحمة الله تعالى في الدنيا تجده في كلمة «شيء» التي ظهرت في الآية الكريمة: «لَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ». فالخوف أو الجوع أو النقص الذى يضرب حياة الإنسان لا يكون كاملاً أو شاملاً بل جزئياً (شيء)، أي يصيب جانباً من الحياة وليس كل الحياة، فالله تعالى حين يسد باباً في وجه عبده يفتح أمامه عشرات الأبواب، وهو لا يسد باباً في وجه إنسان إلا ويكون في ذلك صالحه. أما رحمة الآخرة فتجدها في قوله تعالى: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ»، الذي يحمل وعداً بالمغفرة والرحمة للصابرين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«وَلَنَبْلُوَنَّكُم» «وَلَنَبْلُوَنَّكُم»



GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

GMT 09:40 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

نيران إسرائيلية صديقة!

GMT 09:38 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

عودة رواد الفضاء

GMT 09:36 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هولاكو وأمير المؤمنين

GMT 09:35 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

هل ضعفت مناعة لبنان؟

GMT 09:33 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

دائما: مصر تدعم لبنان !

GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt