توقيت القاهرة المحلي 09:48:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عرائس الشمع

  مصر اليوم -

عرائس الشمع

بقلم: د. محمود خليل

مرحلة الطفولة من أخطر مراحل الحياة الإنسانية، فخرائط النفس والعقل يتم نحتها وتشكيلها خلال السنوات الأولى التى يطرق فيها الإنسان أبواب الحياة، وتبدو حاجة الصغير خلالها ملحة إلى الرعاية والاحتواء وشرح وتوضيح الأحداث التى تقع من حوله حتى يستوعبها عقله محدود المعرفة وقلبه عظيم الحساسية والتأثر.

لا نستطيع الزعم بأن «محفوظ عزام» كان يقصد التأثير فى «أيمن الظواهرى»، ابن شقيقته، بصورة معينة، حين كان يحكى عن جانب المأساة فى حياة سيد قطب، دون أن يلتفت إلى دوره فى خلق مأساة أكبر توارثتها أجيال. الطفل «أيمن» كان يستمع ويستقبل ما يسمع بمعرفة طفولية محدودة وعقل غير مدرك لأبعاد الحدث، وقلب بدأ أول معالمه فى التشكل داخل بيت متدين، فكان من الطبيعى أن يرقَّ لشخص يقدمه الخال على أنه رمز للصمود الدينى، وربما يكون قد بات باكياً على حائط المظلومية الذى بدأ يعلو بناؤه بعد إعدام سيد قطب عام 1966، ولو أن الأحداث سارت فى اتجاه غير الإعدام لما كان لأفكاره الأثر الذى تركته على أجيال متعاقبة من جماعات العنف الدينى، لكن أمر الله نفذ.

طفولة أيمن الظواهرى تعلّم الآباء والأمهات والمحيطين بالأطفال درساً يتوجب الانتباه إليه، يتمثل فى عدم ترك الطفل لتفاعلاته النفسية الداخلية وهو يتعرض أو يستمع لأحداث خطيرة تقع من حوله. دور الوالدين والأقارب لا بد أن يظهر فى مثل هذه الأحوال فى شرح الأبعاد الحقيقية للأحداث ووضع الأمور فى نصابها، وإفهامهم أن مسألة الصراع على السلطة لها قواعدها وقوانينها الخاصة التى تحكمها، وقد لقى من هو أجلُّ وأعظم من سيد قطب حتفه فى صراعات سياسية.

أمر آخر لا بد أن يتفهمه المجتمع ككل وهو يتابع سيرة شخص مثل أيمن الظواهرى، يتمثل فى الوعى بحقيقة أن «العنف يولد عنفاً» وأن الحياة السياسية الصحية تقتضى أمرين: أولهما عدم التدثر بالدين فى دنيا السياسة، فالله تعالى يقول: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما»، ما يعنى أنه لا محل للغمز أو اللمز فى دين الآخرين وإشهار سلاح التكفير فى وجوههم عند وقوع صراعات ذات طابع سياسى، وثانيهما أن الحصافة السياسية تقتضى جعل العنف آخر أداة يمكن اللجوء إليها عند حسم الصراعات. فإعدام سيد قطب كان السبب المباشر فى منح أفكاره -المردود عليها بالمناسبة- هذه الهالة الكبرى من القداسة غير المبررة موضوعياً، وقد كان «قطب» يردد فى حياته: «إن أفكارنا كعرائس الشمع تظل ميتة.. حتى إذا متنا فى سبيلها دبت فيها الحياة».

لقد غازلت مظلومية سيد قطب تابعه «الظواهرى» فى طفولته، وحلم بأن يعيد إنتاج نموذجه وهو يسمع خاله يتحدث عن سيد قطب صاحب التفسير القرآنى والأديب والناقد الذى يقف متحدياً سلطة الحكم الذى ارتضى به الشعب، ويتدخل ملوك ورؤساء دول عربية للتشفع لدى جمال عبدالناصر لتخفيف حكم الإعدام عنه. كذلك سارت حياة رجل «القاعدة» الذى آمن بالقتل والتدمير كوسيلة للتغيير، ولم يستوعب من الآيات الكريمة التى تحكى سير أنبياء الله حرفاً واحداً، ولو كان فعل لعلم أن الإصلاح المتأنى وتقديم القدوة الطيبة الحسنة المحبة للبشر خير وأبقى.

والعجيب أنه كما انتهت حياة سيد قطب رحمة الله عليه على منصة الإعدام فى وقت كان يتحدث فيه ملوك وأمراء عن تخفيف الحكم عليه، انتهت حياة أيمن الظواهرى عند منصة طائرة مسيرة، وخرج رئيس أكبر دولة فى العالم (جو بايدن) ليعلن على العالم بيان مصرعه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عرائس الشمع عرائس الشمع



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt