توقيت القاهرة المحلي 23:40:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تكنولوجيا الرداءة

  مصر اليوم -

تكنولوجيا الرداءة

بقلم: د. محمود خليل

بعض الوظائف مهمة حتى بما يحكمها من روتين، إذ تؤدى إلى صلب المؤسسات على عودها، وتدوير الجانب الهيكلى الذى يحكمها، لكن ثمة مهام أخرى عديدة يتسم الأداء فيها بالرداءة إذا خرجت من براح «الحرفة» إلى ضيق «الوظيفة». أغلب هذه المهام تتطلب من صاحبها الإبداع، والتفكير خارج الصندوق، والبراءة من روتينية الوظيفة، وما يحكمها من قواعد للترقى والانتقال من مرحلة إلى أخرى، أبسطها وأخطرها معاً قاعدة «الأقدمية».

كل المهام التى تعتمد على الإبداع الذهنى لا بد أن يحكمها مفهوم الاحتراف، بما يعنيه من هضم الخبرات، وقدرة على إبداع حلول جديدة للمشكلات، مثل وظائف التعليم والبحث العلمى، والوظائف الخدمية (صحة وهندسة ورقمنة وغير ذلك)، بالإضافة إلى الوظائف التى يناط بها التخطيط للمستقبل أو تنمية المقدّرات الحالية، وغير ذلك.

على سبيل المثال تجد أطباء الجراحة هم الأعلى مقاماً فى مجال الطب (فى حدود ما أعلم)، لا لشىء إلا لأنهم يعملون بأصابعهم، وكلما زادت احترافية الطبيب فى هذا المقام علا مقامه. وقبل ظهور وانتشار أجهزة التشخيص الحديثة كان طبيب العيادة أكثر احترافية ويمتلك مهارة أعلى فى اكتشاف الأمراض عبر تحسس مواطن الوجع لدى المريض، فقد أدت الآلة إلى تآكل الاحترافية، انطلاقاً من أنها تعطى قراءة أدق لأوضاع المريض.

ليس هناك خلاف على قيمة وأهمية الأدوات التكنولوجية، لكن الوجه السلبى يتوجب عدم إهماله. على سبيل المثال «تكنولوجيا الذكاء الاصطناعى» تنذر بثورة فى كل المجالات، وقد بدأت رحلة دخول الأنظمة الخبيرة فى العديد من المجالات والأنشطة، وهى فى الأول والآخر تحل محل البشر، هؤلاء الذين يؤدون أعمالاً يمكن أتمتتها.

يندر اليوم على سبيل المثال أن تجد تلميذاً أو طالباً يتميز بخط جيد، لأن لعبة الورقة والقلم تكاد تختفى تماماً فى حياتنا التعليمية، زمان كانت وظيفة الخطاط ذات أهمية وقيمة فى حياة الناس. ولك أن تتخيل كم «النكد» فى حياة هؤلاء الذين ستتولى البرامج الخبيرة القيام بمهامهم وتدفعهم إلى الجلوس فى البيت. لقد أدت التكنولوجيا إلى انقراض وظائف ومجالات عمل بأكملها.

وجه سلبى آخر يظهر فى تعاطى المجتمعات الضعيفة مع التكنولوجيا الوافدة إليهم من مجتمعات تعرف كيف تفرق بين المحترف والموظف، يتمثل فى حالة الانبهار التى تحكم توظيف المستهلكين الضعفاء لها، حيث يستخدمونها بداع وبدون داع. وقد حدثتك ذات يوم عن تأثير التكنولوجيا على مستوى المنتج الدرامى العربى، وكيف تميز فى الماضى بالفكرة التى تلتصق بالواقع المحلى وتجد صدى جيداً لدى الجمهور، والتحول الذى حصل له بعد أن دخلت التكنولوجيا فتراجعت الفكرة لحساب الإمكانيات التكنولوجية التى تُوظَّف «عمال على بطال»، وسادها الاتجاه إلى الأكشن الذى يثير الرثاء حين تجد أفراده لا يتمتعون بالأوزان أو الرشاقة أو اللياقة المطلوبة للنط والقفز والشيل والحط.. وبدلاً من الاستفادة من التكنولوجيا اتجهنا إلى «تكنولوجيا الرداءة».

تحوُّل أوجه النشاط الإنسانى من الاحترافية إلى الوظيفة يؤدى بالضرورة إلى تراجع الأداء، وتفشى الرداءة فى بعض المجالات، والنتيجة المزيد من النكد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تكنولوجيا الرداءة تكنولوجيا الرداءة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 06:25 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس
  مصر اليوم - محمد رمضان يتألق في أحدث ظهور له من باريس

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt