توقيت القاهرة المحلي 10:35:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حسن «العطار»

  مصر اليوم -

حسن «العطار»

بقلم :د. محمود خليل

الشيخ حسن العطار واحد من علماء الأزهر المبرزين، كان يرفل فى العام الثانى والثلاثين من عمره عند دخول الحملة الفرنسية إلى مصر. مع سيطرة نابليون على القاهرة فر الشيخ حسن العطار إلى الصعيد مع مجموعة من الوجهاء، ومكث هناك لمدة تقترب من عام ونصف ثم قرر العودة إلى المحروسة (القاهرة) بعد استقرار الأمور.

أكثر ما لفت نظر «العطار» وهو يتابع أنشطة الفرنسيين فى مصر هو النشاط العلمى، فزار المجمع العلمى واحتك بعلماء الحملة، وانبهر بالشوط الذى قطعوه فى مضمار العلم، وفهم منهم الكثير من العلوم والفنون، وقطع عهداً على نفسه وهو يراقب هذا النشاط أن يدعو المصريين إلى الأخذ به، ليقيموا حياة جديدة عليه، حياة تمزج بين قيم الإسلام الأخلاقية والروحية وقيم الغرب العلمية.

ورغم انشغال الشيخ العطار بمتابعة نشاط علماء الحملة وعلومهم وفنونهم فإنه كان دؤوباً أيضاً فى متابعة تفاعل الشارع المصرى معهم، ويتعجب من أمر المصريين الذين انطلقوا إلى التعامل مع الفرنسيين بعد أن اطمأنوا إليهم، وبدأوا يتاجرون عليهم ويحولونهم إلى مادة للمكسب، والأدهى من ذلك أن قلة منهم بدأت تقلد سلوكياتهم ومسلكهم فى الحياة.

لاحظ الشيخ العطار أن المصريين تخلوا عن العديد من عاداتهم مع دخول الفرنسيين. كان أغلبهم يخشى أن يوغر صدر الفرنجة على سبيل المثال بالاحتفال بموالد الأولياء فعالجوا أمرهم بالاحتشام كما يصف «الجبرتى»، ثم بدأوا فى ممارسة هذه العادات على استحياء وبالتدرج، ففوجئوا بالفرنسيين غير ممانعين، بل ويسايرونهم فيها فتوسعوا فى إقامة الموالد والاحتفال بالأولياء وذهبوا بها كل مذهب.

حوّل بعض أصحاب الدكاكين نشاطهم فتخلوا عن عملهم التجارى بسبب كساد الحال وحولوا دكاكينهم إلى مطاعم لبيع الفطير وقلى السمك وطبخ الأطعمة والمأكولات وبيعها للفرنسيين، وحوّل آخرون دكاكينهم إلى مقاه، اختلفت فى نوعية الخدمات التى تقدمها تبعاً لقدرة زبائنها على الدفع، فبعضها كان يقدم العزف والغناء، وبعضها كان يكتفى بمنشد على الربابة، وبعضها كان يكتفى بتقديم المشروبات والدخان.

كذلك فعل من كان يملك دكاناً فى ذلك الزمان، أما الأقل قدرة من الناحية الاقتصادية، فقد لجأ أغلبهم إلى وظيفة المكارى، فكان أحدهم يشترى حماراً ويؤجره للفرنسيين ليتجولوا به فى أزقة وعطفات القاهرة وأحيائها وميادينها.

راج نشاط «الحمّارين» فى مصر فى ذلك الزمن بسبب ولع الفرنسيين بركوب الحمير لغاية أو بدون غاية كما يشير «الجبرتى»، فكان أغلبهم يمتطى ظهر الحمار بدون حاجة سوى أن يجرى به مسرعاً فى الشارع، وكانت الجماعة من الفرنسيين تنظم ما يمكن وصفه بـ«سباق الحمير».

لاحظ الشيخ حسن العطار حالة الاندماج التى بدأت تحدث ما بين المصريين والفرنسيين فى مواكب الحمير، وشاهد الوجوه وهى تبتسم وسمع أصوات الصياح والضحك والغناء الذى يختلط فيه المصرى بالفرنسى والمسخرة التى لمّت شمل الجميع، ولاحظ أيضاً الصحبة التى بدأت أيضاً ما بين الفرنسيين والمصريين فى حانات الخمر، فعلق على ذلك ببيتين من الشعر قال فيهما: «إن الفرنسيس قد ضاعت دراهمهم فى مصرنا بين حمّار وخمّار.. وعن قريب لهم فى الشام مهلكة يضيع لهم فيها آجال وأعمار».

هذه الكلمات المعبرة تشهد أننا بصدد عقل يفهم ما لدينا من قيمة تقيم صلبنا الإنسانى، وما لدى الآخر من قيمة تغيب عنا. فقد انبهر المصلح الكبير الشيخ حسن العطار بعلم الفرنسيين واختراعاتهم، لكنه نفر من سلوكهم الإنسانى ونفر أكثر من اندماج المصريين معهم فى لعبة الخمر والحمير، فى وقت كان الشاب «العطار» -فى ذلك الحين- يحلم بمصر جديدة ناهضة ومتقدمة ومتنورة وآخذة بأسباب العلم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حسن «العطار» حسن «العطار»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:12 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

منتخب مصر يواصل إسقاط حاملي اللقب في كأس أمم أفريقيا
  مصر اليوم - منتخب مصر يواصل إسقاط حاملي اللقب في كأس أمم أفريقيا

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt