توقيت القاهرة المحلي 11:11:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«فَرَآهُ حَسَناً»

  مصر اليوم -

«فَرَآهُ حَسَناً»

بقلم :د. محمود خليل

كثيراً ما أقف متأملاً الآية الكريمة التى تقول «أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً».

تعبر الآية عن حالة تعكس مفارقة إنسانية عجيبة، يؤدى فيها الإنسان ردىء الأعمال ويأتى بقبيح السلوك، ثم ينظر فيرى أن ما يفعله هو الأحسن والأفضل، ويستغرب كل الاستغراب إذا لام عليه أحد، إذ يرى بعينه الكليلة عن رؤية معايبه والمحبة لذاته أنه يفعل الأصوب والأمثل والأصلح.

أجمع المفسرون على أن نائب الفاعل المسئول عن تزيين السوء للإنسان هو إبليس الذى يخدع الإنسان فيزين له الأفعال والسلوكيات المضادة لقيم العقل المستقيم والقلب السليم ليسوقه إلى جهنم. وظنى أن هذا التفسير مجازى، ويقصد به بالأساس «شيطان النفس الإنسانية». فحالة اختلال الرؤية أو خداع البصر التى يقع فيها الإنسان فيرى الأشياء على غير حقيقتها مردها «النفس الإنسانية»، بشقيها العقلى والوجدانى.

العلة ليست فى الشيطان قدر ما هى فى النفس الإنسانية التى تبرر لصاحبها ما يقوم به من أفعال وما يأتيه من سلوكيات، وتدفعه إلى التماس الأعذار لنفسه، وإلقاء اللوم على الآخرين.

قديماً قيل إن «الإنسان حيوان مبرر»، فهو يميل باستمرار إلى تقديم المبررات لأفعاله ولسلوكياته، ولا يسمع إلا لمن يضيف المزيد من الحجج المبررة لأدائه.

على سبيل المثال إذا اشترى شخص من ماركة معينة تجده ميالاً إلى مطالعة الإعلانات التى تشرح مميزاتها وقدراتها، يسعد إذا وجد غيره يمتطيها، ويقول لنفسه: «خلاص السيارة ماركة كذا ملأت البلد»، ويتأفف إذا استمع إلى خطاب نقيض يتحدث عن سلبيات اكتشفها البعض بعد تجربة هذه السيارة.

الإنسان ميال إلى تزيين أفعاله وسلوكياته، ويغضب إذا وجد من يطعن فيها أو يكشف بعض مكامن السوء التى تعتريها، لأنه ببساطة محب لنفسه، ولا يرضى باتهامها.

للمصريين مثل لطيف يقول: «ربنا وزع الأرزاق كل واحد ماعجبهوش رزقه.. ووزع العقول فكل واحد عجبه عقله». هذا المثل يفسر لك بعبقرية دور العقل فى تزيين الأعمال السيئة للإنسان.. فكل إنسان يعيش حالة عُجب بتفكيره وبطريقته فى تدبير الأمور، وينقم أشد النقمة حين يخيب سعيه أو لا يحقق له ما يرجوه من نتائج (رزقه). فهو دائماً غير راضٍ عن رزقه، شديد الاحترام لعقله، وما يسوقه إليه من أفعال وسلوكيات.

لقد وصف القرآن الكريم نوعاً من البشر بـ«الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً». وهو وصف شديد القسوة، وعرَّفهم الكتاب الكريم بأنهم: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً». وهو تعريف شديد الروعة لبشر يفنون أعمارهم فى السعى فى الحياة ويفرضون وجهة نظرهم وأدائهم عليها، ولا يسمعون لأى وجهات نظر بديلة، لأن لديهم قناعة راسخة بأنهم يحسنون صنعاً.

هؤلاء على وجه التحديد هم من يقعون فى «شرك التزيين». وهى الحالة التى تختلط فيها الأمور على الإنسان فيزيغ بصره، ولا يعود قادراً على تمييز السيئ من الحسن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«فَرَآهُ حَسَناً» «فَرَآهُ حَسَناً»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt