توقيت القاهرة المحلي 05:44:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أبيض وأسود

  مصر اليوم -

أبيض وأسود

بقلم: د. محمود خليل

يفضل الكثيرون العودة إلى زمن «الأبيض والأسود» عندما يستبد بهم التعب من زمن «الألوان»، فتجدهم يتجهون إلى البحث عن فيلم قديم «أبيض وأسود» وقضاء الوقت أمامه.

إنهم يهربون من التعقيد إلى البساطة، ومن سطحيات الحياة إلى عمقها، ومن صخب الحاضر إلى هدوء الماضى، ومن زمن الشات إلى زمن الاستماع.

عبر نجيب محفوظ عن هذه الحالة الإنسانية فى روايته «أولاد حارتنا»، وهو يحكى قصة «أدهم» ابن «الجبلاوى»، ولحظات التعب التى عاشها بعد طرده من البيت الكبير بسبب معصيته لأبيه، واندفاعه إلى اقتحام خلوة الأب للاطلاع على وصية الوقف.

عانى «أدهم» الأمرّين عندما هبط إلى زحمة الحارة واضطر إلى أن يحصل على قوت يومه بعرقه وتعبه، كان يسائل نفسه وهو يبحث عن شجرة يلتمس أسفلها الظل: أين حديقة البيت الكبير؟.. الحديقة التى كان يجلس فيها مسترخياً تحت ظل أشجارها، لا يسمع سوى صوت الطيور المحلّقة ويستمتع بأنغامها، التى تثير فى نفسه شجناً راقياً، يدفعه إلى التقاط الناى، ليترجم أشواق نفسه الراضية إلى نغمات ملهمة تحتفى بالحياة وتلهج بالشكر لصاحب البيت الكبير الذى يسّر هذه النعم لمن يعيشون فيه.

كثيرون يجدون فى أنفسهم الحنين هذه الأيام لزمن الحديقة والناى الذى كان يحلم «أدهم الجبلاوى» بالعودة إليه ثانية عبر التفتيش فى دفاتر الأبيض والأسود.

تجد البعض يحدثك عن بساطة الحياة فى حقبة الأربعينات من القرن الماضى والتى تحكيها لك أفلام نجيب الريحانى، والأدب الراقى فى تعامل الناس بعضهم مع بعض، والقدرة على الصفح التى كان يتمتع بها الجميع.

وتجد آخر يصف لك كيف تآزر مجتمع بأكمله مع طفلة صغيرة -فى فيلم «حياة أو موت»- حيث أخطأ الصيدلى فى إعداد دواء لأبيها فخلطه بمادة سامة، ولحظة أن أدرك ذلك تحرك بشجاعة أدبية نادرة ولجأ إلى حكمدار العاصمة ليحاول إنقاذ شخص من نتائج خطأ وقع فيه، يبكى الصيدلى بحرارة وهو يستحلف الحكمدار بالتحرك لإنقاذ أب من الوفاة فى يوم العيد، وحماية أسرة من فقد عائلها، فيستجيب الحكمدار وتتآزر معه الإذاعة فى محاولة الإنقاذ.. وفى الشارع تجد الجميع يمد يده للفتاة حتى تصل سالمة آمنة إلى بيتها، بعد أن ضلت الطريق إليه.

وتجد ثالثاً يصف لك حالة التسامح التى كانت تسود المجتمع، والتى ظهرت فى احتواء لقيط فى فيلم الخطايا، ودفعت نجمة كبيرة إلى الوقوع فى حب كومبارس والزواج منه فى فيلم «معبودة الجماهير»، وحالة الرفض العارم للقبح الذى طرأ على المجتمع فى فيلم «السوق السوداء»، وكذلك رفض أن يتحول المال إلى إله معبود فى فيلم «الخمسة جنيه»، وأن يستبد الأب بسلطانه ويعيش بشخصية مزدوجة فى البيت والشارع فى «بين القصرين».

يقول البعض إن الحنين لأفلام الأبيض والأسود يدفع إليه مشاهدة الصور النظيفة والهادئة للشوارع والطرق والمواصلات وبهاء البيوت وغير ذلك، وظنى أن السر ليس فى نظافة المكان قدر ما هو فى نظافة الإنسان الذى تعبر عنه هذه الأفلام.

إنها محاولة للبحث عن إنسان أكثر نظافة على المستوى الأخلاقى.. بحث عن إنسان يعرف كيف يؤدى فى الحياة كإنسان.. إنسان يعرف كيف يقلل مساحات الأسود فى داخله لحساب الأبيض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبيض وأسود أبيض وأسود



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt