توقيت القاهرة المحلي 20:42:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

انسَ الدنيا

  مصر اليوم -

انسَ الدنيا

بقلم: د. محمود خليل

فى الوقت الذى كان عباس العقاد ومفكرون آخرون يؤكدون فيه على تربية «العقل النقدى» كوسيلة قادرة على تمكين الفرد والمجموع من التعامل الصحى مع الأفكار الخطرة التى تتهدده، بالإضافة إلى دوره فى تطوير الواقع، كانت أطراف أخرى عديدة تتبنى الفكرة الموروثة الداعمة لـ«العقل التسليمى» الذى يستقبل ما يُلقى إليه من أفكار دون فحص أو مراجعة، وعياً منها بأن تعطيل فضيلة «النقد» تعنى تعطيل العقل عن العمل وإحالته للتقاعد، ليصبح من السهل عليه تقبُّل ما يُلقى إليه. الأطراف التى دعمت نظرية «العقل التسليمى» انتفعت من ذلك أيما انتفاع من خلال تسهيل مسألة تمرير أفكارها إلى المجموع، لكنها أضيرت بعد ذلك أشد الضرر حين وجدت نفس العقل الذى علَّمته التسليم يتقبل أفكاراً أخرى تجد فيها خطراً عليها دون فحص أو مراجعة أيضاً.

قد تستغرب حين أقول لك إن أولى الأدوات التى استُخدمت لتربية «العقل التسليمى» أو «العقل المعطل» أو «العقل المؤمَّم» -سمِّه ما شئت- بدأت من خلال الأغانى، وما تحمله كلماتها من معانٍ تحمل سلطانها الخاص على النفوس، دعنا نفكر كيف حدث ذلك.

الغناء فى مصر أشكال وألوان، ويمكن تقسيم الأغانى وترتيبها تبعاً لعددها وحجم انتشارها إلى: الأغانى العاطفية، ثم الوطنية، ثم الدينية، بالإضافة إلى الأغانى التى تصور مشاهد عامة من الحياة.

مع مطلع كل صباح تعوّد المصريون على استقبال نوعين من الأغانى: أغانٍ عاطفية تدعو إلى التوقف عن التفكير، مثل أغنية عبدالوهاب: «انسى الدنيا وريّح بالك.. واوعى تفكر فى اللى جرى لك».. وأغنية ليلى مراد: «اضحك كركر.. إوعى تفكر» وأغنية عبدالحليم: «ليه تشغل بالك ليه.. على بكرة وتبكى عليه»، بالإضافة إلى أغانٍ أخرى تنقل مشاهد الصباح، مثل أغنية أم كلثوم: «يا صباح الخير ياللى معانا» وأغنية «الشمس بانت من بعيد» و«يسعد صباحك ربنا».

جميل أن تدعو الأغانى إلى التفاؤل، لكن الخطر يظهر حين تحفّظ المستمع معانى تدعوه إلى تعطيل العقل والهروب من التفكير فى أى شىء، إلى حد أن تدفع بأفراد المجتمع إلى وصف الفكر بالمرض، فتجد بعضهم يصف الشخص السارح أو الشارد بأنه «عنده فكر» وكأن التفكير علة تستحق العلاج! بعض الأغانى العاطفية التى راجت خلال العقود الماضية دعت فى أحيان إلى «تعطيل العقل»: «سألت عقلى فأصغى وقال لن تراها.. وقال قلبى أراها ولن أحب سواها».. وفكرة التوقف عن التفكير: «سبتك من غير حتى ما أفكر.. هقدر أسيبك أو موش هقدر».

طبعاً التراث الغنائى العاطفى من الثراء بحيث يضم أطيافاً متنوعة من الأغانى، من بينها أغانٍ ومعانٍ تحرّض العقل على التفكير، يكفى أن نستشهد فى هذا السياق بحدائق البهجة التى تشتمل عليها قصائد أم كلثوم وتعابير رامى وشوقى والفيصل وناجى وغيرهم.. أعرف أيضاً أن أغانى مثل «إنسى الدنيا» و«إضحك كركر» و«ليه تشغل بالك» تصف مواقف يحتاج فيها الإنسان إلى لحظة ينسى فيها همَّه والانصراف عما يؤرقه وأن يضحك للحياة، وكلها معانٍ إنسانية لها حيثيتها، لكن المشكلة أن السياق كثيراً ما يغيب فى ذهن المجموع ليبرز المعنى المجرد الداعى إلى «عدم التفكير» و«تعطيل العقل»، ولا تستهن بالمعنى المجرد الذى يرسخ فى ذهن المتلقى وأثره على أسلوب تفكيره.

لعلك سمعت عن تلك القصة -التى لا أعلم مدى مصداقيتها- التى عاتب فيها مصطفى باشا النحاس محمد عبدالوهاب على أغنية «مسكين وحالى عدم من كتر هجرانك.. يا اللى تركت الوطن والأهل عشانك»، لم يعجب النحاس المعنى الذى تحمله كلمات تبرر لمحب أن يترك وطنه وأهله عشان واحدة بيحبها. قد يقول البعض إن الباشا كان يبالغ ولم ينتبه إلى المعنى الخيالى أو المجازى الذى تحمله الكلمات، لكننى أراه دق ناقوس خطر على ما تشيعه بعض الأغانى من معانٍ تدعو إلى تغييب العقل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انسَ الدنيا انسَ الدنيا



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 06:26 2014 الجمعة ,06 حزيران / يونيو

كرواسون الشوكولاته بالبندق

GMT 20:01 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

ووردبريس يشغّل الآن 30% من مواقع الويب

GMT 05:16 2018 الجمعة ,21 كانون الأول / ديسمبر

محمد محمود عبد العزيز ينشر صورة لوالده بصحبة عمرو دياب

GMT 04:08 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

خمسينية تطلب الخلع من زوجها لخوفها من عدم إقامة حدود الله

GMT 09:59 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

إليكِ أجمل الإطلالات الأنيقة بالعبايات الخليجية

GMT 12:58 2018 الجمعة ,07 كانون الأول / ديسمبر

ضبط شبكة دولية للاتجار في البشر تضم مطربة مصرية

GMT 15:04 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

ندوة أدبية بعنوان"روايات مرئية" في "الشارقة الدولي للكتاب"

GMT 23:41 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

حليم يؤكد صعوبة مباراة الزمالك وحرس الحدود

GMT 17:57 2018 الجمعة ,26 تشرين الأول / أكتوبر

كينو ينتقل إلى "الأهلي" خلال الميركاتو الشتوي المقبل

GMT 10:32 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

علاقة أثمة وراء مذبحة الشروق والنيابة تحيل أخرين للمحاكمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt