توقيت القاهرة المحلي 02:30:43 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصدقات و«المعلوم»

  مصر اليوم -

الصدقات و«المعلوم»

بقلم: د. محمود خليل

جعل الإسلام الزكاة ركناً أصيلاً من أركان الدين، واعتبر الصدقات مفتاحاً من مفاتيح دخول الجنة. والهدف الواضح من الزكاة والصدقات (ويجمعهما مصطلح الإنفاق) تأكيد مبدأ التكافل بين البشر، بأن يعطف غنيهم على فقيرهم، ويميل من معه على من لا يملك، حتى تسود المحبة والسلام، وتزول الأحقاد والضغائن فى ما بينهم.

وقد وضع الإسلام مبدأين أساسيين لمن يُعطى ولمن يأخذ. ففرض على من ينفق أن يبتغى وجه الله تعالى فى ما يعطيه، ونهى عن الرياء فى الإنفاق: «وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا»، وفرض مبدأ التعفّف على من يأخذ ويمد يده: «يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا».

احتفى القرآن الكريم بمن ينفق أمواله ويتصدّق بها على من يحتاج إليها، لكنه فى الوقت نفسه لم يجعل من الإنفاق أداة يمكن الاعتماد عليها إلى ما لا نهاية، بل اعتبرها وسيلة من وسائل مساعدة من تضطره الظروف إلى أن يمد يده، حتى يصلح الله أحواله ويتحول من الأخذ إلى العطاء، ولم يجعل الزكاة عملاً مؤسسياً، بل نظر إليها كشكل من أشكال العبادة الفردية، شأنها فى ذلك شأن الصلاة والصيام والحج، وهى أمور يحاسب الإنسان عليها أمام ربه، وليس أمام إنسان أو جماعة أو سلطة.

عرف المصريون موضوع الصدقات حين فتح العرب مصر. ومن لحظتها استغرق بعضهم فيه، وبدأ يتمدّد من فرد إلى فرد، ومن مجموعة إلى مجموعة، مدفوعين فى ذلك برغبة بعضهم فى الكسب المريح، وحاجة بعضهم فعلياً إلى المساعدة، ذلك من ناحية، ومن ناحية أخرى، كان لتلك الخاصية التى تميز النفس المصرية من عاطفية وعطف على الآخرين، وميل إلى فكرة التكافل، دور مهم فى تحول أمر الصدقات إلى ظاهرة قديمة متجدّدة.

فمنذ العصر الفاطمى، وظاهرة التسول وجمع الصدقات واحدة من الظواهر المؤكدة فى ديار المحروسة، التى رسّخت مع مرور السنين والأيام، وتذكر كتب التراث أن الحكم الفاطمى كان يفرض ضرائب على المتسولين، بعد أن تحول بعضهم إلى أباطرة يجمعون أموالاً غزيرة من اتجاهات عدّة، ليس ذلك فقط، بل بدأت الدولة تدخل هى الأخرى كشريك فى المسألة، وأصبح «دفع المعلوم» جزءاً من مجالس الدعوة التى اجتهد شيوخ الشيعة من خلالها فى تعليم المصريين أصول مذهبهم.

وكلمة «المعلوم» فى الثقافة الشعبية المصرية لها دلالات كثيرة، من بينها «الضريبة»، و«الفردة»، و«الصدقة» التى يدفعها الأغنياء للفقراء. فهى مفردة جامعة لأى نوع من المال يتم جمعه بالضغط على الآخرين، أياً كان نوع هذا الضغط. وتتوافق هذه المفردة مع الوصف الذى خلعه القرآن الكريم على الصدقات، وذلك فى قوله تعالى: «وفى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم». زخم الماضى التحم مع ظروف الحاضر، ليجعل من التسول واحدة من الظواهر التى لفت المجتمع المصرى من جميع أنحائه، وحولته إلى ما يشبه «دكان شحاتة»!.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصدقات و«المعلوم» الصدقات و«المعلوم»



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt