توقيت القاهرة المحلي 09:16:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشعوب الحائرة

  مصر اليوم -

الشعوب الحائرة

بقلم :د. محمود خليل

زمان كتب توفيق الحكيم مسرحية بديعة عنوانها «السلطان الحائر» تتحدث عن سلطان من سلاطين المماليك فرضت الظروف بيعه لأحد الأشخاص ليتولى عتقه لوجه الله، حتى ينال حريته ويصبح أهلاً للحكم، بعد أن ثبت أن سيده القديم لم يعتقه.

وقع السلطان خلال المزاد الذى انعقد لبيعه فى فخ «غانية» اشترته ورفضت عتقه ومنحه صك حريته، إلا بعد أن يعيش فى كنفها ليلة.

من ناحيتها، كانت الرعية مستمتعة بالمشهد المثير، وبتلك الغانية المتّهمة فى نظر من حولها، واستغلت الليلة التى قضاها السلطان وهو عبد لها لإثبات براءتها، وعلّمته فيها أن العادل لا يأخذ بالشبهة.

السنون مرت والدنيا تبدّلت، وخرج السلطان من حيرته، وبات الكثير من الشعوب العربية هى التى تعيش الحيرة، حين تجد نفسها متأرجحة بين طريقين: طريق الرضوخ للأمر الواقع، وطريق الاجتهاد ومحاولة التصحيح.

علينا أن نعترف أن الشعوب الحائرة التى تواجه ظرفاً يدعوها إلى الاختيار بين كأسين لا يخلوان من مرارة، مسوقة بالكثير من العوامل التى خلقتها بأيديها وأدت إلى الدفع بها نحو السقوط فى بئر الحيرة.

النَّفَس القصير أول عامل للسقوط فى البئر، فنحن نبدأ المشوار ولا نكمله حتى آخره، كثيراً ما تُلح على بعض الشعوب العربية الرغبة بالوقوف فى منتصف الطريق، لتصبح عرضة للدهس. العقل الناضج لا يخطو خطوته الأولى على طريق إلا بعد تفكير، وإذا خطاها لا يترك الطريق إلا فى منتهاه. هكذا فعلت الشعوب التى قرّرت تغيير واقعها ونجحت فى ذلك.

التحرّك فى اللحظة الأخيرة أيضاً من الأسباب التى تُعرقل الشعوب عن الوصول إلى ما تتمناه. فكيف يحقّق الإنسان نجاحاً فى مواجهة مشكلة وقد تركها تتفاقم وسكت عليها أياماً طوالاً، ولما وصل إلى مرحلة عجز فيها عن تحمّلها بدأ يتحرك. التحرك فى مثل هذه الحالة لن يحقّق نتيجة، لأنه جاء فى غير موعده.

التفكّك هو الآخر يُعد عاملاً من عوامل السقوط فى بئر الحيرة. الاختلاف بين البشر أمر طبيعى، لكن عندما يصل الاختلاف إلى تفكّك تظهر المشكلة.

وجهات النظر يمكن أن تتعارض -تلك سنة من سنن الله فى خلقه- لكن ذلك لا يمنع أصحابها من الوصول إلى حل وسط أو توافق يؤدى به إلى السير ككتلة واحدة.

الكثير من الشعوب المجهدة خاضت تجارب خروج من الحيرة، عرقلها النَّفَس القصير، والتحرّك فى اللحظة الأخيرة، والتفكك، لذلك تظل «محلك سر»، يمر الزمن وتتغير الأيام وتتبعثر الجهود وتبقى هى كما هى.. هل تدرى السر؟

إنه ببساطة يتعلق بالثقافة السائدة، الثقافة التى تربّى عليها الإنسان منذ نعومة أظافره، وتزرع الآفات الثلاث التى تؤدى إلى السقوط فى بئر الحيرة بداخلها.

على الشعوب المجهدة أن تفهم أن علتها فى ثقافتها وأساليب تفاعلها مع الحياة، وعليها أن تستوعب أن حل مشكلتها أيضاً فى يدها إذا وعت وغيّرت.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشعوب الحائرة الشعوب الحائرة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 10:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 11:21 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 19:46 2025 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

الاتحاد السكندري يفاوض إلياس الجلاصي لضمه في يناير

GMT 20:58 2019 الإثنين ,29 إبريل / نيسان

فريق "بنات يد الأهلي مواليد 2000" يُتوج بكأس مصر

GMT 17:39 2019 الجمعة ,25 كانون الثاني / يناير

إليك ديكورات ملونة خاصة للمراهقين من الجنسين

GMT 18:19 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أهم وأبرز إهتمامات الصحف البريطانية الصادرة الإثنين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt