توقيت القاهرة المحلي 16:08:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الظاهرة الكلثومية

  مصر اليوم -

الظاهرة الكلثومية

بقلم: د. محمود خليل

علمياً وتكنولوجياً نحن ننتمى إلى دول العالم الثالث التى تتعامل مع نتاج العلم والتكنولوجيا داخل العالم المتقدم بمنطق الاستهلاك، لكن فنياً الوضع يختلف، على الأقل خلال العقود الثمانية الماضية من القرن العشرين.

على مستوى الفنون وقفت مصر طيلة هذه العقود ضمن أكثر المجتمعات تقدماً وتنوراً وإبداعاً وإنتاجاً. نحن من أقدم الدول التى عرفت السينما، وساهم مبدعوها فى تطوير فن الرواية، ويكفى أن نشير فى هذا السياق إلى الروائى العالمى نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للأدب (1988).

تستطيع أن تمسك بخيط التميز فى الإبداع الفنى المصرى خلال العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين من خلال نموذج تبلورت حوله كل معانى التفوق التى دفعت بمصر إلى الصفوف الأولى على مستوى الفن، خلافاً لأوضاعنا العلمية والتكنولوجية وغيرها. إنه نموذج «الظاهرة الكلثومية».

لم تكن أم كلثوم مجرد فنانة، بل ظاهرة وعنوان لتيار الإبداع طيلة القرن العشرين. مصدر تفوقها لا يتحدد فقط فى صوتها العبقرى وقدراتها الغنائية المدهشة، بل تمثل فى تحولها من مجرد شخصية مبدعة إلى مؤسسة لإنتاج الإبداع، فإجادتها اختيار ما تغنيه من كلمات دفعت جيلاً بأكمله من الشعراء نحو السعى إلى التجديد والتجويد، ووعيها وانفتاحها الكامل على كافة أشكال وصور التجديد الموسيقى منحت أغانيها شباباً دائماً وقدرة على عبور الزمن. إنها الفنانة التى شدت بألحان عمالقة كانوا فى الستينات من عمرهم وشاب فى العشرينات من عمره (بليغ حمدى) فى حفلة واحدة.

إبداع الظاهرة الكلثومية لم يقتصر على شخصيتها الفنية وفنها الراقى، بل تجاوزها إلى مجمل الحركة الفنية فى مصر، فكل المطربين والمطربات الموجودين إلى جوارها سعوا إلى تقديم فن يليق بعصر أم كلثوم. فكلهم يعلم أن المستمع يقيس ما يسمعه على «مسطرة كلثومية» شديدة الرهافة، فبالغوا فى الإجادة.

منذ ما يزيد على أربعة عقود بدأت المسألة فى الاختلاف، اختفى الجيل الكلثومى الشغوف بتقديم إبداع حقيقى، وظهر جيل جديد يقدم فناً استهلاكياً يفتقر إلى جوهر مفهوم الإبداع المتمثل فى لمس الأوتار الإنسانية المشتركة بين البشر، ومغازلة الروح بأفراحها وأحزانها ليفعل فعله فى السمو بها، ويتمكن من العبور عبر الزمان والمكان. أخذ منحنى الإبداع الفنى فى الهبوط جيلاً بعد جيل حتى وصلنا إلى زمن الحدادى والغربان والمجعراتى وأم قويق.

فى ظل حالة العبثية الفنية التى ضربت بجذورها فى واقعنا خلال السنوات الأخيرة، ظلت الظاهرة الكلثومية شامخة تجد من بين الأجيال الجديدة من يبحث عنها وعن رموز العصر الفنى الذى ألهمته أم كلثوم، أصبحت استعادة أغنية لأم كلثوم أو شريفة فاضل أو سعاد محمد أو عبدالحليم حافظ بصوت أحد المطربين والمطربات تلقى صدى واسعاً لدى الأجيال الجديدة، وبات الفضول يدفع بعض الشباب إلى استعادة الأغنية فى نسختها الأصلية والبحث عن باقى الأغانى.

فى ظل قدرة الظاهرة الكلثومية على الصمود اتجه البعض إلى الضرب تحت الحزام فأخذ يثرثر بكلام يشبه كلام المصاطب حول أم كلثوم. فالبعض لم يعد يكفيه حالة العبث التى وصلنا إليها فى الحاضر، ويريد الانقضاض على التاريخ ليقطع خطوط مقاومته للتدهور الحالى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الظاهرة الكلثومية الظاهرة الكلثومية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt