بقلم: طارق الشناوي
رحيل الإذاعى الكبير فهمى عمر فى رمضان حال دون أن ينال حقه فى التوقف أمام إنجازاته، ترك الأستاذ فهمى بصمة لا تُنسى؛ الإذاعة كانت ولاتزال تعتمد فقط على اللهجة (القاهرية) فصار هو الاستثناء بلهجته الصعيدية، ولم يتخلَّ أبدًا عنها، داعبته أم كلثوم عندما شاهدته لأول مرة قائلة: (المفروض أقول «سعيدة» ولكن معك ح أقول «صعيدة»).
فهمى عمر استقبل أنور السادات، عضو مجلس قيادة الثورة، الساعة السابعة والنصف صباح يوم ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وأذاع السادات بصوته البيان الأول، ولم يتردد فهمى عمر لحظة واحدة عندما طلب منه السادات ذلك، حيث إنه كما قال لى كان يعرفه من الجرائد التى كانت تنشر صورته بعد اتهام السادات عام ١٩٤٦ باغتيال أمين عثمان، وزير المالية، الذى كان معروفًا بولائه للإنجليز.
ملحوظة: حصل السادات على البراءة، وظل فى الذاكرة الجمعية كواحد من المناضلين ضد الاستعمار.
ترددت حكايات متعددة وعلى ألسنة شهود عيان، كلهم أكدوا واقعة أن أنور السادات وهو يهبط سلم الإذاعة فى مبناها القديم بشارع (الشريفين) فى صباح ذلك اليوم، التقى محمد رشدى المطرب الذى كان فى طريقه للغناء، سأله السادات: ما الذى سوف تغنيه اليوم؟ أجابه موال: (اللى انكتب ع الجبين) قال له السادات: (اليوم الناس فرحانة بالثورة غنى لهم قولوا لمأذون البلد)، وبالفعل استقبل رشدى الثورة بتلك الأغنية.
نفى تمامًا فهمى عمر تلك الواقعة، وقال لى إن جدول ذلك اليوم لاتزال الإذاعة محتفظة به، ولا يمكن أن يعتقد أحد أنه من الممكن أن تستيقظ فرقة موسيقية ومطرب فى الصباح الباكر ويذهبوا للغناء فى الإذاعة.
الواقعة الصحيحة كما تأكدت، هى أن هذا الحوار بين أنور السادات ورشدى حدث فعلًا، ولكن فى مساء ٢٣ يوليو، السادات لم يكتفِ فقط بإلقاء البيان ومغادرة مبنى الإذاعة، ولكن كان منوطًا به تأمين هذا المبنى الاستراتيجى طوال ذلك اليوم حتى المساء.
فى المرحلة التى تولى فيها فهمى عمر مسؤولية رئاسة الإذاعة من ١٩٨٢ حتى ١٩٨٨، شهدت عودة عدد من المذيعين الذين كان الرئيس أنور السادات قد أبعدهم عن الميكروفون بعد توليه الحكم ١٩٧٠ لأن ولاءهم ناصرى، وكان من أشهرهم جلال معوض صاحب الصوت الذهبى، الذى ارتبط بتقديم خطب الرئيس جمال عبدالناصر وحفلات كوكب الشرق أم كلثوم.
قرر فهمى بناء على توجيهات الرئيس حسنى مبارك عودة جلال معوض للميكروفون، وفى تلك الأثناء كان يتردد أن العلاقة متوترة بين فهمى عمر وجلال معوض، حيث كان (معوض) مسؤولًا أيام عبدالناصر عن حفلات (أضواء المدينة)، ولهذا كان ينبغى أن يعاود فى زمن مبارك تقديم (أضواء المدينة)، وتعطلت بينهما لغة الكلام، البعض ردد أن فهمى عمر كان حريصًا على إغلاق الباب أمام جلال معوض، كنت قريبًا من الأستاذ جلال معوض، وسألته، فقال لى حرفيًا: (أنا طلبت مسؤوليات مطلقة، وقرارى لا ينتظر توقيع رئيس الإذاعة فهمى عمر.. وهو ما رفضه تمامًا فهمى عمر بحجة أنه مسؤول أمام الدولة)، ولم تنجح كل محاولات الوصول إلى منطقة متوسطة بين الإذاعيين الكبيرين، كل منهما تشبث بموقفه.
اقترب الأستاذ فهمى عمر من عامه المئوى وغادرنا قبل عامين فقط من بلوغه هذا الشاطئ. أشك كثيرًا أن الإذاعة وثّقت حياته على أشرطة لتنعش بها الذاكرة، ولكن أتمنى أن نعيد من الأرشيف برنامجه الشهير (مجلة الهواء) الذى التقى فيه فهمى عمر بكل العمالقة، لتنتعش بها حياتنا!!.