توقيت القاهرة المحلي 17:55:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

شغب بريطانيا... رسالة تحذيرية في كل الاتجاهات

  مصر اليوم -

شغب بريطانيا رسالة تحذيرية في كل الاتجاهات

بقلم : إياد أبو شقرا

عندما اندلعت حروب تمزيق يوغوسلافيا السابقة، وسمع القاصي والداني بأشلاء تلك الدولة البلقانية التي تقاطعت عندها كل فوالق «البلقنة»، وعشنا في العالمَين العربي والإسلامي مجازر «جيبي» سريبرينيتسا وجيبا، كنت أكمل دراسة الماجستير في لندن.

في حينه، كان بين زميلاتي طالبة أميركية يهودية، هي التي وجدتها الأكثر قلقاً وتحمّساً لمساعدة الضحايا. وبالفعل، تطوَّعَت لاحقاً للانضمام إلى إحدى قوافل الإغاثة التي قصدت بعض «الجيوب» المحاصَرة... قبل انتهاء النزاع، وإسقاط حكم الزعيم الصربي السابق الراحل سلوبودان ميلوشيفيتش.

يومذاك، رنّت كلماتها في أذني بإلحاح. وبلهجة غاضبة ومستنكرة سألتني عن سبب «صمتنا»، بل «تخاذلنا» (نحن العرب) أمام ما وصفَته بنهوض «غول الصليبية المسلحة» من جديد فوق تراب أوروبا. ثم قالت: «تاريخنا، نحن اليهود، علّمَنا جيداً ما تعنيه هذه الظاهرة... فتحسَّسوا رؤوسكم واتَّعِظوا قبل فوات الأوان». في تلك الحقبة كان العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يتعجّل الإجهاز على نفوذ موسكو من ناحية، ولا يهمه من ناحية ثانية ما يُمكن أن يحدث للأقليات البلقانية –وبالذات، للبشانقة المسلمين– على أيدي الصرب «أخلص الحلفاء التاريخيين» لروسيا. وكما نتذكّر، دفع مسلمو البوسنة ثمناً باهظاً لاستقلال هشّ في منطقة... قد تنام فيها الأحقاد التاريخية لكنها لا تموت!

في أوروبا الغربية ربما تختلف النسب مقارنةً مع البلقان، لكن الأحقاد الدينية والمذهبية والإثنو - لغوية أيضاً موجودة. وعلى الرغم من «خيمة» الاتحاد الأوروبي الواسعة، فإن ثمة «حساسيات» حيّة كامنة، من آيرلندا، إلى قطالونية وبلاد الباسك في أسبانيا، ومروراً بـ«الموزاييك» الشمالي - الجنوبي الإيطالي الذي لم تُلَملِمه في الفترة الأخيرة سوى عودة الفاشية إلى الحكم... موحِّدةً «البادانيين» الشماليين مع «التيرّونيين» الجنوبيين ضد «الأغراب» الوافدين إلى شبه الجزيرة من الجنوب والشرق.

أيضاً، بريطانيا، التي تلتهب مدنها اليوم بأعمال عنف خطرة، لديها هي الأخرى تاريخها القلِق مع أزمتَي «التكامل» و«التعدّدية»، كما أنها عاشت ردحاً من الزمن هاربة من تسوية تاريخية لإنهاء النزاع الآيرلندي تحت شعار «رفض التنازل للإرهاب المسلّح».

أكثر من هذا، خرج من بريطانيا السير أوزوالد موزلي، السياسي الراديكالي وصديق بنيتو موسوليني، وأحد نجوم حقبة النازية والفاشية. وأيضاً لمع فيها السياسي والمثقف اليميني البارز إينوك باول، الذي حذّر عام 1968 من «أنهار دم» إذا استمرت الهجرة إلى بريطانيا من مستعمراتها السابقة؛ لأنه كان يرى أن لا مفرّ من الصدام العنيف بين المجتمعات البيضاء والسوداء. وحينذاك، قال باول إن مجرد إغلاق حدود بريطانيا لن يكون كافياً، بل لا بد من إعادة بعض المهاجرين الذين استقروا في البلاد إلى «مواطنهم» الأصلية.

بالأمس، جريمة قتل عدد من الأطفال في مدينة ساوثبورت بشمال غرب إنجلترا، جريمة فظيعة إلى أقصى الحدود. ولكن حرص الأجهزة الأمنية لدواعٍ قضائية بالتكتم على اسم المتهَم؛ كونه قاصراً (عمره 17 سنة)، سمح للجماعات اليمينية المتطرفة المعادية للمسلمين أولاً، وللمهاجرين ثانياً، بشنّ حملة تضليل وتحريض عنصرية، ثم إطلاق أعمال شغب وتظاهرات في عدد من المدن والضواحي.

وسط هذا الوضع الاستثنائي، والخطير في آنٍ، اتخذت السلطات القرار بكشف المعلومات الشخصية عن المتهَم، والمباشَرة بتدابير عاجلة لاحتواء سم العنصرية الذي أخذت تنفثه جماعات مشبوهة متطرفة، مستفيدة من واقعين:

الأول: سهولة التجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

والثاني: وجود ساسة انتهازيين عديمي الأخلاق، وجدوا مناسبة لتعزيز مكانتهم في الأوساط الانعزالية والعنصرية المحدودة الثقافة والوعي، عبر الغمز واللمز والتلميح.

من المعلومات التي كشفتها بالأمس بعض الصحف الوطنية، أن الفتى المتهم بالقتل ليس مسلماً، ولا علاقة له بالاسم المزعوم المتداول (علي الشكاتي) في وسائل التواصل، بل هو فتى مسيحي أفريقي الأصل، ومُنشِد في كورال بإحدى الكنائس.

ثم إنه لا المتهم ولا أهله من «لاجئي القوارب»، كما أُشِيع، بل هو مواطن بريطاني مولود في مدينة كارديف عاصمة ويلز. كذلك لم تتكتم الشرطة على الاسم «تستراً» على «الحقيقة»، بل احتراماً للمبادئ والنصوص القضائية.

من جانبها، هيئة الإذاعة البريطانية الـ(بي بي سي)، نشرت تقريراً عن الدور الخطير الذي لعبه استغلال اليمين المتطرف في وسائل التواصل الاجتماعي، وجعلها مطيّة لـ«نظريات المؤامرة» الكاذبة، بينما أشارت جهات أخرى إلى «التغير الحاصل في تركيبة اليمين البريطاني»، وتحوُّل متطرفيه إلى التحريض السافر على العنف، ومهاجمة دُور العبادة والاستهداف الممنهَج للمسلمين والمهاجرين وطالبي اللجوء.

هنا، أجدني مدفوعاً بالرغم مني، للاستشهاد بمقولة «مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة». وبرأيي إن وصول الأمر ببعض الرعاع العنصريين إلى التعدّي على الناس -والشرطة أيضاً- وتهديد دُور العبادة، ورفع شعارات كراهية مريضة لا يجوز أن يفاجئنا إطلاقاً.

ومع إدراكي أن لا «علاقة مباشرة» بين التشدُّد الآيديولوجي والفاشية القاتلة، فإنني أستطيع أن أستشعر مآل الأمور... بدءاً من خوف فئة من الناس على وظائفها، ثم خشيتها من «ضياع» هويتها و«فقد» وطنها، وانتهاءً بالانتقام من «المسؤول» المزعوم!

أستطيع أن أفهم كم هو سهلٌ على ديماغوجيّي السياسة اللاأخلاقية وعُتاة عنصريّيها استغلال جهل محدودي العلم والثقافة بالتاريخ والجغرافيا والاقتصاد، وتحريكهم كأدوات قتل وكراهية صماء...

وما نراه اليوم في بريطانيا، وقد يتطوّر –لا قدَّر الله– إلى الأسوأ في بريطانيا كما في غيرها من كُبريات الدول الغربية، يستحق منا مقاربة واعية، وتجنُّب الاستخفاف وتسجيل النقاط.

العنصرية ليست «بنت ساعتها»، ولا يوجد مجتمع في العالم محصَّن ضدها مهما أسبَغنا من عبارات التبجيل على تجارب الديمقراطية.

والانعزالية قد تبدأ كظاهرة بريئة... لكنها لا تظل كذلك إلى الأبد!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

شغب بريطانيا رسالة تحذيرية في كل الاتجاهات شغب بريطانيا رسالة تحذيرية في كل الاتجاهات



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 10:55 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير
  مصر اليوم - محمد صلاح ضمن أفضل 50 لاعبًا في العالم خلال العقد الأخير

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt