توقيت القاهرة المحلي 12:33:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بريطانيا تودّع شاهداً على قرن

  مصر اليوم -

بريطانيا تودّع شاهداً على قرن

بقلم:إياد أبو شقرا

الأمير فيليب، دوق إدنبره، زوج الملكة إليزابيث الثانية، الذي توفي بالأمس، ما كان سياسيا بالمعنى الحرفي للكلمة مع أنه سليل أسر مالكة. كذلك ما عرف عنه تأثير مباشر على سير الأحداث في دولة عظمى... مع أنه كان زوج ملكتها لنحو 74 سنة.
الرجل كان، في الحقيقة، شاهداً استثنائياً على حقب تاريخية عاشها على امتداد نحو قرن كامل من الزمن تغيّرت فيه بريطانيا وأوروبا، وتغير معهما العالم بأسره. ثم إنه من أغصان شجرة عائلة أحفاد الملكة فيكتوريا، التي لقّبها المؤرخون وكتّاب السيَر والتراجم بـ«جدة أوروبا» لأن أحفادها وحفيداتها وأولادهم تولوا عروش العديد من الممالك الأوروبية؛ من اليونان شرقاً إلى إسبانيا غرباً، والدول الإسكندينافية شمالاً. وحقاً، فإن الدوق الراحل المولود في جزيرة كورفو اليونانية، أصلاً أمير ملكي دنماركي - يوناني من أسرة غلوكسبورغ، التي تولّى العرش أفراد منها خلال فترات مختلفة في كل من الدنمارك والنرويج واليونان وعدد من الأقاليم والمقاطعات بشمال ألمانيا.
أكثر من هذا، فإن الأمير فيليب الذي اعتمد لاحقاً اسم أسرة جده لأمه ماونتباتن كان زوجاً للملك/ الملكة الأطول حكماً في تاريخ بريطانيا، إذ تجاوزت فترة حكم الملكة إليزابيث الثانية (69 سنة و64 يوماً) فترة حكم الملكة فيكتوريا (63 سنة و216 يوماً).
وإذا كان «العصر الفيكتوري» قد شهد تغييرات ثورية في المجتمع البريطاني على رأسها: رسوخ التجربة الحزبية الديمقراطية، والتقدم التكنولوجي - الصناعي، والتوسع الجغرافي والنفوذ العالمي غير المسبوق، فإنه شهد أيضاً تغيّر خرائط أوروبا وتبدل موازين القوى في مناطق عديدة من العالم. وبعد عقود، لم تتوقف الساعة، بل تسارعت حركة عقاربها في عهد الملكة إليزابيث الثانية.
ثم إنه إذا كان تولي الملكة إليزابيث العرش البريطاني، عام 1952، بعد بضع سنوات من نهاية حرب عالمية ثانية خلقت نظاماً عالمياً جديداً، فإن الأمير فيليب ولد عام 1921 بعد سنة من «مؤتمر باريس» الذي وضع أسس أول نظام عالمي تنتجه أول حرب عالمية.
الأمير وجد نفسه تحت الأضواء، منذ فترة الخطوبة، قبل أن تتولى إليزابيث الثانية العرش، وكان يومذاك ضابطاً شاباً في سلاح البحرية البريطانية العريق. إلا أنه أيضاً كان قوي الأواصر مع العالم بأسره، وذلك بدءاً من خلفيته العائلية الأوروبية المتنوعة، ثم عبر منظومة دول الكومنولث (المستعمرات البريطانية السابقة على امتداد العالم). وللعلم، كان خاله الإيرل لويس ماونتباتن آخر الحكام العامين لشبه القارة الهندية، أكبر مكونات هذه المنظومة، وهو الذي عاش استقلال الهند ونشوء دولة باكستان عام 1947.
لقد كان اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 مفصلاً مهماً في حياة الأمير فيليب، ففيه أنهى حياته المدرسية ودخل الأكاديمية البحرية. ومن ثم خدم في سلاح البحرية الذي نقله إلى أماكن عدة عبر العالم بدءاً من المحيط الهندي، قبل أن يُنقل إلى البحر المتوسط في أعقاب إقدام القوات الإيطالية على غزو اليونان في أكتوبر (تشرين الأول) 1940، ثم نقلته مأمورياته القتالية إبان الحرب إلى أماكن أخرى وصولاً إلى المحيط الهادئ مع «أسطول المحيط البريطاني»، بل وكان في خليج طوكيو عندما وقّعت اليابان وثيقة استسلامها التاريخي الذي أنهى عام 1945 الحرب فعلياً.
بنهاية تلك الحرب كانت بريطانيا في طليعة «الحلفاء» المنتصرين، لكن الحروب لا تُحسَم بالضرورة بعد أن تصمت المدافع. وهذا ما اتضح خلال السنوات التالية، حين ظهرت فوالق الزلازل السياسية والأحلاف العسكرية، وأسهمت المعادلات الجديدة باندلاع «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب... ومعها تصفية حساباتها الإقليمية في كل مكان.
صراع «الشرق والغرب» كشف الهوة بين «الشمال والجنوب». وكما اندلعت الحرب الكورية فكانت مؤشراً لنهوض عملاق عالمي اسمه الصين، غدت تكلفة «الاستعمار القديم» باهظة في ظل سباق التسلح وعصر الأزرار النووية ونجاح ظاهرة «حروب التحرير الشعبية» في آسيا وأفريقيا... وأميركا اللاتينية.
بريطانيا وفرنسا أدركتا باكراً أن زمناً ولى وحلّ محله زمن جديد بحساباته البديلة الواقعية.
في هذا الزمن الجديد، إبان منتصف عقد الخمسينات، تعلمت بريطانيا الأمير فيليب درس «السويس»، وكذلك تجربة «الماو ماو»، وقبلها تعايشت مع حتمية فقدان الهند «تاج الإمبراطورية». أما فرنسا فأخذت تدرك أن ما بدأ في ديان بيان فو... سينتهي عاجلاً أو آجلاً في جبال الأوراس. بيد أن الفارق بين قوتي «الاستعمار الأوروبي القديم» كان لجوء فرنسا كليّاً إلى الحضن الأوروبي، دافنة أحقاد الماضي مع «الجار» الألماني لبناء أوروبا تقف أمام القوتين الأميركية والسوفياتية، بينما ظلت عقدة «نحن الجزيرة وهُم القارة» ماثلة في الحسابات البريطانية. وهكذا، ظلت أوروبا لبريطانيا خياراً ثالثاً خلف خياري «العلاقة الخاصة» مع واشنطن، وإرث الكومنولث.
أضف إلى ذلك أنه، في ظل إساءة تعريف الحكومات البريطانية المتعاقبة لجوهر الأزمة الآيرلندية بقيت هذه الأزمة جرحاً نازفاً لم يساعد على ختمه تعلّق «آيرلنديي أميركا» بوطنهم الأم ولا تكامل جمهورية آيرلندا مع الأسرة الأوروبية. وهنا، عاش الأمير فيليب مأساة شخصية عندما اغتال «انفصاليون آيرلنديون» خاله الإيرل ماونتباتن عام 1979. وها نحن اليوم بعد انفصال بريطانيا عن أوروبا، تبرز القضية الآيرلندية مجدداً، وتواكبها هواجس أخرى تجسدها طموحات الاستقلاليين الاسكوتلنديين والقوميين الويلزيين.
صحيح، سقوط الاتحاد السوفياتي طوى صفحة مهمة من تاريخ البشرية السياسي، إلا أنه لم ينجز بناء نظام عالمي حقيقي بديل رغم الانتصار الأميركي الكبير. وها هي أميركا - التي اقتحمت عبر الزواج الأسرة البريطانية المالكة - تعيش انقسامات داخلية حادة وتحاول تعريف العدو قبل الصديق، وتوحيد الداخل على إيقاع التخوف من الخارج.
هذا يحصل مع تنامي دورَي التكنولوجيا والاقتصاد وتضافرهما في عالم سريع التغير لا يستسيغ الانتظار. فـ«الاقتصاد القديم» لم ينتهِ وحده إبان عهد إليزابيث الثانية، بل انتهت معه ممارسات وعادات وأولويات معيشية يتغيّر فيها دور الإنسان على سطح كوكبنا بأسرع مما نتصور.
إن ثقافاتٍ من نوع آخر تطلّ علينا كل يوم في عالم يتأرجح بين اكتساح مد العولمة والذكاء الصناعي، وبين «الفقاعات» الوقائية من الفيروسات المستجدة، وموجات الإعلام المضلّل»، و«جدران الفصل» التي يهرع بعضنا لبنائها دفاعاً عن الخصوصية والهوية والمصلحة.
الرجل الذي غاب بالأمس، كان حقاً ذاكرة سياسية - اجتماعية نادرة كانت خير شاهد على قرن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريطانيا تودّع شاهداً على قرن بريطانيا تودّع شاهداً على قرن



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

GMT 15:40 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
  مصر اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 08:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 11:21 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt