توقيت القاهرة المحلي 01:56:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدين والتنوير

  مصر اليوم -

الدين والتنوير

بقلم - محمود العلايلي

يتم إطلاق لفظ التنوير على أى تطور اجتماعى وسياسى مرتبط شرطا بالإصلاح الدينى الذى يتم التأسيس له. والحقيقة أن الكثيرين يبذلون فى هذا المجال جهودا كبيرة فى محاولات التغيير بالدخول فى تفاصيل الأحكام الدينية، أو بمحاولة دفع المؤسسات الرسمية للدولة لتبنى دعوتهم بإجراء هذه الإصلاحات.

والحقيقة أيضا أن هذه المجهودات لها جمهور من المؤيدين، ولكن أعدادهم لا تقارن بالمتدينين الذين تستنفرهم هذه الدعوات باعتبارها معادية للدين المألوف الذين يأنسون له ويتبعون أحكامه، وهو ما يجعل الجانب الرسمى الحكومى فى حرج من تبنى أى من هذه الدعوات حتى وإن كان البعض يرى نفعها السياسى، وذلك لأن عدد من الحكوميين لديهم هذا المزاج الدينى المحافظ من ناحية.

ومن ناحية أخرى هم محاطون بالقلق من الدخول فى معركة تعرّض إيمانهم للشكوك، أما على جانب ثالث فدعونا نسأل بوضوح: هل إذا تحققت كل أو بعض هذه الإصلاحات المستهدفة سيؤدى ذلك إلى تقدم المجتمع وتطوره؟.. إن الإجابة بلا مزايدة هى أن ذلك قد يؤدى إلى بعض التغيرات الإجرائية على مستوى بعض التشريعات، ولكن- من وجهة نظرى- لن يؤدى واقعيا إلى تغيرات فعلية على سبيل تطور المجتمع وتقدمه.

إن الإصرار على ربط التطور بتطويع الدين يعد استسهالا فى بعض الأحيان، كما يعد من قبيل الارتباك فى أحيان أخرى، لأن ذلك مثل من وقع منه شىء وضاع فى حجرة مظلمة بينما ذهب يبحث عنه فى الشارع المضىء، وذلك لأن معايير التطوير المعروفة هى الأخذ بالعلم والاهتمام بالصحة والتعليم فى إطار من الـتطوير السياسى والاقتصادى والاجتماعى تحت مظلة قانون صارم يساوى بين جميع المواطنين فى التشريع وفى التطبيق.

أما مسألة إرجاع كل مساوئ التخلف إلى الدين فمسألة تحتاج إلى المراجعة، لأن الاعتماد على الغيبيات والتواكل على المعجزات يعود إلى نوازع من العادات والتقاليد أكثر منها أمورا يحض عليها الدين، بينما إذا عدنا إلى ما يمكن أن يعطله الدين فى طريق التطور، فهو يتمحور حول ممارسات رجال الدين على مر العصور، فى محاولة لتثبيت سلطتهم على حساب السلطة السياسية وسيطرتهم على العامة بالفتوى حينا وبالتحليل والتحريم أحيان أخرى، بالإضافة إلى خطورة بعض التنظيمات السياسية التى تستخدم الدين كعنوان لتطلعاتها السياسية والسبيل للوصول لأهدافها، وهما أمران يحكمهما القانون إذا كان مستتبًا ومطبقًا على الجميع.

إن المجهودات المبذولة فى اتجاه ما نتفق على تسميته «التنوير» يجب أن تركز على ترسيخ العلم والتعليم، والابتعاد عن فكرة هز المعتقدات الدينية للمؤمنين، فعصر النهضة فى أوروبا كان حركة علمية وفلسفية وفنية مصحوبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية، وشُرّعت القوانين التى أدت بالتالى إلى تحجيم دور الكنيسة السياسى وقصره على المسائل الدينية دون المساس بجوهر العقيدة المسيحية.

أما محاولة زعزعة الإيمان بالسخرية من المعجزات المرتبطة بالعقيدة، مثل شق البحر أو معجزة ميلاد المسيح وقيامته، أو معجزة الإسراء والمعراج، فذلك لن يزيد من أعداد المؤيدين للتجديد، كما أنه لن يشتت معسكر المؤمنين من كل الأديان، ولكنه يدفع لنقاشات جانبية لا تؤدى إلا إلى ضياع الوقت والمجهود فى وضعية لا تفيد إلا المستفيدين من التخلف والجمود.

ولكن التغيير الحقيقى يحتاج لتغيير فى المنطلقات وتحديد الهدف، لأن الارتكان إلى أن الدين عكس التنوير أو أن التنوير عدو الدين ما هو إلا تمييع للمسألة وتعتيم على الهدف، بينما الأعداء الحقيقيون للتطوير هم الممارسات السياسية والاجتماعية الغارقة فى التخلف والرجعية، إلى أن يشرّع القانون ويطبق على الناس بصفتهم مواطنين وليس بصفتهم جماعة من المتدينين، سواء كانوا من نفس الديانة أو من ديانات مختلفة، لندرك وقتها أن الإصلاح الدينى نتيجة تلقائية لتقدم المجتمع وليس سببًا أو وسيلة للتطوير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدين والتنوير الدين والتنوير



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt