توقيت القاهرة المحلي 10:23:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يشتري دمشق؟

  مصر اليوم -

من يشتري دمشق

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لفت انتباهى خلال الأيام الماضية مقال كتبه الأستاذ هيثم المالح، شيخ الحقوقيين السوريين، بعنوان: «من يشترى دمشق؟». لا أقرأ الرجل بوصفه سياسيا فحسب، بل بوصفه شاهدا استثنائيا على تاريخ سوريا الحديث. رجل اقترب من قرن من العمر، عرف القضاء والسجون والمنفى، واختلف مع أنظمة ومعارضات، لكنه ظل يحتفظ بحق طرح الأسئلة التى يتجنبها الآخرون.

المقال ليس مجرد حديث عن دمشق، بل عن سؤال أكبر بكثير، ماذا يحدث للأوطان بعد أن تنتهى الحروب؟

اعتدنا أن ننظر إلى نهاية الحرب باعتبارها بداية السلام. لكن التجارب الحديثة تقول إن الحرب العسكرية قد تتوقف، بينما تبدأ حرب أخرى أكثر هدوءًا وأعمق أثرا، حرب السيطرة على الاقتصاد، وعلى الأرض، وعلى مستقبل المدن.

يلفت المالح النظر إلى أن معظم الحديث الدائر حول سوريا اليوم لا يدور حول إعادة بناء الإنسان، أو استعادة الصناعة والزراعة، أو بناء مؤسسات قادرة على إنتاج اقتصاد وطنى، بقدر ما يدور حول العقارات، والأبراج، والمدن الذكية، والمشروعات السياحية، والصناديق الاستثمارية. وهو يطرح سؤالًا بالغ القسوة: هل إعادة الإعمار مشروع لإنقاذ السوريين، أم مشروع للاستثمار فى سوريا؟

قد يختلف البعض مع نبرة المقال، وربما يرى فيه قدرًا من التشاؤم أو المبالغة، لكن من الصعب تجاهل السؤال نفسه.

فالتاريخ الحديث يقدم نماذج عديدة لما يسمى باقتصاد ما بعد الحرب. فى هذه اللحظة تتدفق الشركات، والبنوك، وصناديق الاستثمار، والدول، وكل منها يحمل تصورًا لمستقبل البلد الخارج من الصراع. لا يتحرك أحد بدافع إنسانى خالص، كما لا يتحرك أحد بدافع تجارى خالص. المصالح دائمًا هى المحرك الأساسى، لكنها تتفاوت بين من يرى فى إعادة البناء فرصة لبناء دولة مستقرة، ومن يراها فرصة لشراء أصول انهارت قيمتها بفعل الحرب.

وهنا تصبح المدينة أكثر من مجرد عمران.

فالمدينة هى الذاكرة، وهى المجتمع، وهى توزيع السكان، وهى الطبقة الوسطى، وهى العلاقات الاقتصادية التى تشكل هوية البلد. وإذا تغيرت ملكية المدينة بالكامل، فإن المجتمع نفسه يتغير، حتى لو بقيت الشوارع تحمل الأسماء القديمة.

ليس فى الاستثمار ما يدعو إلى الخوف فى ذاته، بل إن سوريا ستحتاج، بلا شك، إلى استثمارات عربية ودولية ضخمة تعيد إليها ما دمرته سنوات الحرب. لكن الاستثمار شيء، وتحويل الوطن إلى مجرد أصل مالى شىء آخر.

الفرق كبير بين أن يدخل المستثمر ليبنى اقتصادا منتجا، ويوفر فرص عمل، وينقل التكنولوجيا، ويشارك فى نهضة الصناعة والزراعة، وبين أن يصبح النشاط الاقتصادى كله قائمًا على المضاربة العقارية، وبيع الأراضى، وبناء أبراج فاخرة لا يستطيع أبناء البلد أنفسهم السكن فيها.

إنها تخص كل مدينة عربية خرجت أو قد تخرج يوما من حرب. فإعادة الإعمار ليست عملية هندسية، بل قرار سياسى واقتصادى واجتماعى، يحدد لمن سيكون المستقبل، ومن سيدفع ثمنه.

فربما يكون أخطر ما بعد الحرب ليس ما تهدم، بل من يملك حق بناء ما سيأتى بعده.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يشتري دمشق من يشتري دمشق



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt