توقيت القاهرة المحلي 08:44:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه؟

  مصر اليوم -

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه

بقلم : عبد اللطيف المناوي

أثار قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعليق لوحات ساخرة عن الرؤساء السابقين على ما سُمّى «ممشى المشاهير الرئاسى» داخل البيت الأبيض جدلًا واسعًا، تجاوز حدود الخلاف الحزبى المعتاد، ليطرح سؤالًا أعمق: هل يملك الرئيس، قانونيًا وأخلاقيًا، الحق فى السخرية العلنية من أسلافه.. أم أن ما يفعله ترامب يمثل تجاوزًا غير مسبوق على تقاليد الرئاسة وهيبة المنصب؟.

من الناحية القانونية الصرفة، لا يوجد نص دستورى يمنع الرئيس من التعبير عن آرائه السياسية، حتى لو تضمنت انتقادًا أو سخرية من رؤساء سابقين. حرية التعبير فى النظام الأمريكى واسعة.. والرئيس، نظريًا، مواطن يتمتع بهذه الحرية. لكن السياسة، بخلاف القانون، لا تُدار بالنصوص فقط، بل بالتقاليد والأعراف التى راكمتها الدولة عبر قرنين من الزمن.

هنا يكمن جوهر الإشكال. فالرئاسة الأمريكية لم تكن يومًا مجرد منصب تنفيذى، بل رمز للدولة واستمراريتها. ومن بين أهم أعرافها غير المكتوبة احترام الرؤساء السابقين، حتى فى حال الخلاف العميق معهم. هذا الاحترام لا يعنى تبرئة سياساتهم من النقد، بل الفصل بين النقد السياسى المشروع، وبين السخرية الشخصية التى تُحوّل التاريخ إلى كاريكاتير.

ما يفعله ترامب يخرج عن هذا التقليد بوضوح. فاللوحات لا تقدّم قراءة نقدية متزنة لتجارب الرؤساء السابقين، بل تختزلهم فى أوصاف ساخرة: جو بايدن «النعسان»، باراك أوباما «المثير للانقسام»، بوش الابن «مُشعل الحروب»، بينما تُغرق لوحاته الخاصة بعبارات التمجيد والمبالغة. هذه المفارقة وحدها تكشف أن الهدف ليس كتابة تاريخ بديل، بل فرض سردية شخصية ترى السياسة كساحة تصفية حسابات.

المؤرخون الذين عبّروا عن قلقهم محقون فى مخاوفهم. فالتاريخ لا يُكتب بالملصقات ولا بالشعارات. اختزال شخصيات معقّدة، حكمت فى ظروف استثنائية واتخذت قرارات مصيرية، إلى أوصاف ساخرة، لا يُبسط الفهم العام فحسب، بل يُفقِده العمق. الأخطر أن هذا التبسيط قد يصبح المرجعية الوحيدة للأجيال الأصغر سنًا، التى تتلقى السياسة اليوم عبر الصور واللقطات السريعة أكثر مما تتلقاها عبر الكتب والنقاشات الجادة.

سياسيًا، ينسجم هذا السلوك تمامًا مع أسلوب ترامب الشعبوى. هو لا يخاطب المؤسسة، بل جمهوره المباشر. السخرية هنا أداة تعبئة، وليست تعبيرًا ثقافيًا. حين يسخر من الرؤساء السابقين، فهو لا يناقش إرثهم بقدر ما يعمّق الانقسام، ويقدّم نفسه بوصفه الاستثناء الوحيد فى تاريخ «فاشل»، كما يصوره. هذه المقاربة تعزّز منطق «نحن ضد هم»، وتحوّل الرئاسة من موقع جامع إلى منصة صراع دائم.

قد يكون من حق الرئيس، قانونيًا، أن يسخر. لكن السؤال الأهم: هل من حق المنصب أن يُستخدم بهذه الطريقة؟

التاريخ الأمريكى ملىء بالخلافات الحادة بين الرؤساء، لكنه نادرًا ما شهد تحويل البيت الأبيض إلى مساحة تصفية رمزية مع الماضى. وما يفعله ترامب اليوم ليس مجرد خلاف على لوحات، بل اختبار حقيقى لحدود الشعبوية، ولمدى قدرة الديمقراطية على حماية رموزها من التآكل الداخلى.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه هل من حق الرئيس أن يسخر من أسلافه



GMT 08:44 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الاستثمار في الفوضى

GMT 08:41 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

منصة إكس والتحرش الرقمي

GMT 08:39 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

ذبذبات فضائية

GMT 08:37 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

«أطباء» السوشيال ميديا

GMT 08:36 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الصادق النيهوم في فنزويلا وإيران

GMT 08:34 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

وطنيات وجدليات حسام حسن

GMT 08:33 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

حين تتقاطع الجغرافيا مع الهُويَّة

GMT 08:31 2026 السبت ,17 كانون الثاني / يناير

الغرب ونهاية ربع قرن

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 04:34 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق مضمونة لتوظيف الشمع في الديكور دون أضرار

GMT 06:29 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين رضا تحل ضيفة في برنامج "هنا العاصمة" الثلاثاء

GMT 14:11 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

باسم مرسي يعود إلى تدريبات الزمالك بعد لقاء الاتحاد

GMT 07:01 2015 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

المطربة ياسمين علي تتألق على مسرح معهد الموسيقي العربية

GMT 02:22 2014 الأربعاء ,26 آذار/ مارس

حديقة "أولهاو" تغّري زوّارها بفضائها الطبيعي

GMT 02:56 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

صناعة الزجاج تُشكل هوية ثقافية كبيرة في فلسطين

GMT 20:23 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ضمّ اسم الوليد بن طلال لصدارة قائمة الفساد في السعودية

GMT 22:09 2016 الجمعة ,16 كانون الأول / ديسمبر

وكيل صالح جمعة يوضح حقيقة سهره في "ملهى ليلي"

GMT 20:32 2017 الثلاثاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق يتسلّم من إيطاليا تمثال "الثور المجنح" بعد إعادة ترميمه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt