توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخلل أعمق من خسارة مباراة

  مصر اليوم -

الخلل أعمق من خسارة مباراة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى أعقاب الهزيمة الأخيرة لمنتخب مصر أمام السنغال، لا تبدو كرة القدم وحدها فى قفص الاتهام. صحيح أن الخسارة جاءت موجعة، ومتكررة أمام الخصم ذاته، لكن الأخطر من النتيجة هو ما كشفته مجددًا، خللٌ أعمق فى المنظومة، يتجاوز المستطيل الأخضر، ويتقاطع مع نمط عام من الأعطاب الإدارية والفكرية التى تطول قطاعات واسعة فى المجتمع المصرى.

الهزيمة تحولت سريعًا من نقاش فنى إلى سيل من التبريرات، تحكيم منحاز، VAR غائب، مؤامرة مُعدّة سلفًا. لا يمكن استبعاد الأخطاء التحكيمية فى كرة القدم، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه التفسيرات «مخدرًا جماعيًا» يريحنا من مواجهة الأسئلة الأصعب. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«شماعات الفشل»؛ تلك الآلية النفسية والاجتماعية التى تُعلّق عليها الإخفاقات بدل تفكيك أسبابها الحقيقية. كرة القدم فى مصر ليست لعبة فقط، بل مرآة للوجدان العام. هى مساحة إسقاط للغضب والإحباط والأمل المكبوت. لذلك، حين يخسر المنتخب، لا يغضب الجمهور من نتيجة مباراة بقدر ما يثور شعوره بأن شيئًا ما لا يعمل كما ينبغى، وأن المنظومة كلها تدار بالمنطق ذاته، حلول مؤقتة، إدارة ارتجالية، غياب رؤية طويلة المدى، والاعتماد على رد الفعل لا الفعل. فى كرة القدم، كما فى التعليم والصحة والإعلام والإدارة المحلية، تتكرر الأعراض نفسها، تغيّر السياسات بتغيّر الأشخاص، لا بقاء لاستراتيجية، ولا محاسبة مؤسسية حقيقية. فى المنتخب، نغير المدرب، نبدل الجهاز، نُحمّل جيلًا كاملًا المسؤولية، ثم نعيد الدورة من جديد. وفى المجتمع، نفعل الشىء ذاته، نلوم الأفراد بدل النظم، والظروف بدل القرارات.

اللافت أن كرة القدم، بحكم تأثيرها العاطفى، تكشف هذا الخلل بوضوح أكبر. فالعلماء يؤكدون أن اللعبة تؤثر فى المزاج الجمعى، وأنها قادرة على رفع المعنويات أو تعميق الإحباط. فى لحظة اقتصادية ضاغطة، تصبح الهزيمة الكروية امتدادًا نفسيًا لشعور عام بالتراجع، لا سببه الكرة وحدها، بل الإحساس بفقدان السيطرة والاتجاه.


الإعلام الرياضى يتحمل جزءًا من المسؤولية. كثير منه يفضل الإثارة على التحليل، والصوت العالى على العقل. فيتحول النقاش من مراجعة هادئة إلى صراخ، ومن نقد منظومة إلى تصفية حسابات. والجمهور، المحاصر بضغوط يومية، يجد فى هذا الخطاب متنفسًا، لكنه متنفس لا ينتج إصلاحًا، بل يرسخ الإحباط.

المشكلة إذن ليست فى خسارة أمام السنغال، ولا فى حَكم مباراة، ولا حتى فى اتحاد كرة.. المشكلة فى نمط إدارة عام، يرى الإنجاز حدثًا عابرًا، والفشل مؤامرة، ولا يرى فى التخطيط طويل المدى استثمارًا ضروريًا. كرة القدم، لأنها الأكثر شعبية، تدفع ثمن هذا النمط علنا، بينما تعانى بقية القطاعات فى صمت أقل صخبا.

السؤال الحقيقى ليس: لماذا خسرنا؟ بل: لماذا نكرر الأخطاء ذاتها؟ ولماذا نفضّل الشماعات على المرآة؟ الإصلاح فى كرة القدم لن ينجح ما لم يكن جزءًا من إصلاح أوسع فى العقل الإدارى، فى فكرة العمل المؤسسى، وفى احترام التخصص والمعرفة والبيانات. الهزيمة قد تكون لحظة كاشفة، لا نهاية الطريق. الخسارة ليست عارًا، التكرار هو العار الحقيقى.


 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخلل أعمق من خسارة مباراة الخلل أعمق من خسارة مباراة



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt