بقلم : عبد اللطيف المناوي
الأزمات هى ما تكشف حقيقة الدول لا سنوات الاستقرار. تجنب الخطر ليس المقياس، بل طريقة الاستجابة له، وهل تخرج أكثر هشاشة أم أكثر قدرة على التكيف. ومن هذه الزاوية، بدا مشهد الإمارات هذا الأسبوع لافتًا. ففى اليوم الذى تعرضت فيه لهجمات بالصواريخ والمسيرات من إيران، كانت أبوظبى تفتتح النسخة الأكبر من مؤتمر «اصنع فى الإمارات». لم يكن الأمر مجرد تزامن زمنى، بل عكس اتجاهًا سياسيًا واقتصاديًا أعمق.
الرسالة الواضحة أن الإمارات تحاول التعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها لحظة لإعادة تعريف مفهوم القوة والاستقرار، لا مجرد مرحلة عابرة من التوتر الأمنى. فالحرب الدائرة فى المنطقة أضرت بالجميع، والإمارات ليست استثناءً، خصوصًا مع طبيعة اقتصادها المفتوح واعتمادها على حركة التجارة والطيران والاستثمار العالمى. لكنها تحاول تحويل جزء من هذا الضغط إلى دافع لتسريع بناء نموذج أكثر اعتمادًا على الذات، وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
التركيز على الصناعة فى المؤتمر ليس تفصيلًا اقتصاديًا، بل جزءًا من رؤية أوسع. حين قال سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة إن «من يصنع يملك قراره»، لم يكن يتحدث فقط عن المصانع أو الناتج المحلى، بل عن مفهوم جديد للأمن والسيادة فى منطقة أصبحت فيها سلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا جزءًا مباشرًا من معادلات النفوذ والاستقرار.
الأهم كان التطور الواضح فى الخطاب الداخلى للدولة، خصوصًا ما قاله الجابر أن «كل من فى الإمارات إماراتى». هذه العبارة تتجاوز بعدها الرمزى، لأنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المجتمعات الحديثة، خاصة تلك القائمة على الانفتاح الاقتصادى واستقطاب الكفاءات، لا يمكن أن تحافظ على تماسكها وقت الأزمات إذا ظل المقيم مجرد عنصر مؤقت. خلق شعور أوسع بالانتماء ليس مسألة أخلاقية فقط، بل ضرورة عملية تتعلق بالاستقرار والثقة واستمرارية النمو.
التجربة لا يجب أن تقوم على فكرة الانفصال عن المنطقة، بل على محاولة بناء قدرة خاصة على التعامل مع أزماتها دون الانهيار تحت ضغطها. وهنا تبدو المعادلة الأعقد، كيف تبقى دولة مرتبطة بمحيطها سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا، دون أن تتحول بالكامل إلى انعكاس لفوضاه؟
الإمارات لا تستطيع أن تكون جزيرة معزولة، ونجاحها نفسه قائم على كونها مركزًا مفتوحًا للتجارة والاستثمار والخدمات والطاقة. لكنها تحاول بناء ما يشبه «الجزيرة الوظيفية»، أى دولة تمتلك مؤسسات وبنية تحتية ومرونة اقتصادية تسمح لها بالاستمرار حتى عندما يصبح الإقليم أكثر اضطرابًا.
من هنا يمكن فهم التركيز المتزايد على التصنيع المتقدم، والطاقة، والتكنولوجيا، والأمن الغذائى، وإعادة التموضع فى الاقتصاد العالمى. الفكرة الأساسية ليست الهروب من الجغرافيا، بل تقليل كلفة التوترات التى تفرضها هذه الجغرافيا.
الأمر ليس مجرد حملة صناعية أو رد فعل مؤقت على أزمة أمنية، بل محاولة لبناء نموذج مختلف لدولة خليجية فى مرحلة إقليمية أكثر قسوة وتعقيدًا. النجاح أو التعثر لن يتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع، بل بقدرته على الحفاظ على هذا التوازن الصعب، البقاء جزءًا من المنطقة دون الغرق الكامل فى أزماتها.