توقيت القاهرة المحلي 03:22:02 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صراع وجود وليس (فقط) صراع حدود

  مصر اليوم -

صراع وجود وليس فقط صراع حدود

بقلم - عمرو الزنط

العنوان مستوحى من مقولة استخدمها معارضو التسوية السلمية مع إسرائيل، للإيحاء بأن تواجدها، سواء داخل أو خارج حدود 1967، مرفوض، ويشكل تهديدا وجوديا للعرب. لكن يمكن إيجاد عدة معان أخرى لنفس المقولة فى سياق الصراع الدائر منذ عقود- والذى ربما وصل لذروته الآن- مع تيارات الأصولية الإسلامية.
فى الكثير من الأحيان تم التركيز فى هذا السياق على مسائل شرعية، مثل العزم على التطبيق الصارم لـ«الحدود»، كنوع من الاختبار لنوايا تيارات الإسلام السياسى. لكن الحقيقة أن الصراع بين الأصولية الدينية والتعددية الفكرية يدور حول «الوجود»؛ حول إمكانية وجود أفكار وثقافات ومعتقدات «مخالفة» فى ظل حكم الإسلام السياسى. وحول وجود البشر الذين يتبنون مثل هذه الأفكار.

وإن كانت الأزمة فى الأساس هى الحدود، فهى ليست الحدود الشرعية إنما، على مستوى أعمق، الحدود الفكرية التى يحاصر من خلالها الأصوليون عقول البشر؛ فهذه هى التى تؤدى إلى العجز والإفلاس المعرفى على المدى الطويل، نتيجة كبت الفكر والإبداع، حتى إذا كان تطبيق الحدود الشرعية له أثر يسهل ملاحظته على المدى القصير (انظر أفغانستان).

لا أتحدث هنا فقط عن الأثر الكارثى فى مجالات كالفن والأدب، فحتى الإبداع العلمى يتأثر. مثلا، يتخيل الكثيرون فى المجتمعات التى يسودها الفكر الأصولى أنه يمكن الفصل بين الأسئلة الأعمق فى العلوم الأساسية، والتصور العلمى للعالم، وبين استيعاب تطورات التكنولوجيا على أعلى مستوى. هكذا شرح مثلا سيد قطب فى كتابه الأشهر بين المتطرفين (معالم فى الطريق).

لكن هذه رؤية قاصرة، تريد فصل الإنتاج التطبيقى عن اللغة التى نتج عنها. ترى هل يمكن كتابة النصوص «العملية»، كدفتر إرشاد جهاز منزلى مثلا، دون أى معرفة بأبجديات اللغة وقواعدها؟، وتعلم اللغة العلمية يعنى الانغماس فى منهج يسوده التساؤل والنقض والتشكك على كل مستوى وفى كل شىء وكل طرح: أى لا يقبل فرض الحدود الفكرية.

والإفلاس الفكرى الناتج عن فرضها يأتى مصاحبا بإفلاس أخلاقى. ومن أعراضه المفارقة التى نجدها واضحة كل الوضوح (لمن يريد أن يرى) فى بلد مثل مصر، انتشار الانتهازية والمادية الشديدة فى مجتمع يبدو ظاهريا، من حيث كثرة مظاهر التدين، مكونا من الصالحين الروحانيين الزاهدين. وذلك فى نفس الوقت الذى تجد فيه مجتمعات علمانية تسود فيها الثقة النسبية والاحترام المتبادل بين البشر رغم «ماديتها». من أين تأتى تلك الأخلاقيات فى غياب الروحانية المفترض أنها منتشرة فى مصر؟.

تأتى من المنهج العلمى نفسه، الذى يسطر ضمنيا على الثقافة العامة ونظام التعليم.. لقد اعتقد قطب، كغيره كثيرين، أن المنهج «المادى»، البانى للعلم الحديث، مؤسس بالضرورة على مبادئ لا أخلاقية مناوئة لتراثنا الروحانى (ولذلك لا يجب استخدامه خارج التطبيقات العملية المباشرة). لكن المنهج المادى المكروه هذا له أسسه الأخلاقية المهمة، والتى نفتقدها عند نبذ أساسياته المعرفية: كتقدير قيمة البحث عن الحقيقة وقبولها، حتى إن كانت مزعجة لأنها تتناقض مع اتجاهاتنا ومعتقداتنا وانطباعاتنا المسبقة؛ والتسليم بأن كل شىء وكل شخص قابل للنقد، مهما كانت الهيبة والمكانة؛ وقبل كل ذلك قبول مبدأ حرية طرح الأفكار، وصيانة استقلالية وكرامة كل عقل إنسانى يقوم بالطرح أو النقد.

هذا هو التصور الأخلاقى المؤسس لعملية البحث فى أساسيات المعرفة العلمية، والذى مع تسربه للمجال السياسى كان تاريخيا فى أساس بناء مجتمعات تعددية، تتنافس فيها الأفكار والتيارات العقلانية دون إقصاء أو لجوء للعنف للفصل بينها. وهو منهج يبدو أفضل بكثير من التسلق الاجتماعى والتسلط السياسى باسم المطلق، الذى يبدو أكثر «مادية»، أو على الأقل انتهازية. وهو منهج لا يتناقض مع الإيمان إلا عند من أدمن فرض محاذير على الفكر، ليحصره داخل حدود تسمح بالسيطرة على عقول البشر، ثم على حياتهم.

الصراع هو صراع وجود لأنه يدور مع من يريد بسط قراءة معتمدة لمعنى الوجود ذاته، ويرمى إلى محو وجود أى طرح مغاير. وصراع حدود، لأن الحدود التى يريد فرضها تعتبر من النوع الذى يزيل أى أمل فى تواجد التعددية الفكرية، التى بدونها لا إمكانية أو معنى للتعددية السياسية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع وجود وليس فقط صراع حدود صراع وجود وليس فقط صراع حدود



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt