توقيت القاهرة المحلي 11:29:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صراع وجود وليس (فقط) صراع حدود

  مصر اليوم -

صراع وجود وليس فقط صراع حدود

بقلم - عمرو الزنط

العنوان مستوحى من مقولة استخدمها معارضو التسوية السلمية مع إسرائيل، للإيحاء بأن تواجدها، سواء داخل أو خارج حدود 1967، مرفوض، ويشكل تهديدا وجوديا للعرب. لكن يمكن إيجاد عدة معان أخرى لنفس المقولة فى سياق الصراع الدائر منذ عقود- والذى ربما وصل لذروته الآن- مع تيارات الأصولية الإسلامية.
فى الكثير من الأحيان تم التركيز فى هذا السياق على مسائل شرعية، مثل العزم على التطبيق الصارم لـ«الحدود»، كنوع من الاختبار لنوايا تيارات الإسلام السياسى. لكن الحقيقة أن الصراع بين الأصولية الدينية والتعددية الفكرية يدور حول «الوجود»؛ حول إمكانية وجود أفكار وثقافات ومعتقدات «مخالفة» فى ظل حكم الإسلام السياسى. وحول وجود البشر الذين يتبنون مثل هذه الأفكار.

وإن كانت الأزمة فى الأساس هى الحدود، فهى ليست الحدود الشرعية إنما، على مستوى أعمق، الحدود الفكرية التى يحاصر من خلالها الأصوليون عقول البشر؛ فهذه هى التى تؤدى إلى العجز والإفلاس المعرفى على المدى الطويل، نتيجة كبت الفكر والإبداع، حتى إذا كان تطبيق الحدود الشرعية له أثر يسهل ملاحظته على المدى القصير (انظر أفغانستان).

لا أتحدث هنا فقط عن الأثر الكارثى فى مجالات كالفن والأدب، فحتى الإبداع العلمى يتأثر. مثلا، يتخيل الكثيرون فى المجتمعات التى يسودها الفكر الأصولى أنه يمكن الفصل بين الأسئلة الأعمق فى العلوم الأساسية، والتصور العلمى للعالم، وبين استيعاب تطورات التكنولوجيا على أعلى مستوى. هكذا شرح مثلا سيد قطب فى كتابه الأشهر بين المتطرفين (معالم فى الطريق).

لكن هذه رؤية قاصرة، تريد فصل الإنتاج التطبيقى عن اللغة التى نتج عنها. ترى هل يمكن كتابة النصوص «العملية»، كدفتر إرشاد جهاز منزلى مثلا، دون أى معرفة بأبجديات اللغة وقواعدها؟، وتعلم اللغة العلمية يعنى الانغماس فى منهج يسوده التساؤل والنقض والتشكك على كل مستوى وفى كل شىء وكل طرح: أى لا يقبل فرض الحدود الفكرية.

والإفلاس الفكرى الناتج عن فرضها يأتى مصاحبا بإفلاس أخلاقى. ومن أعراضه المفارقة التى نجدها واضحة كل الوضوح (لمن يريد أن يرى) فى بلد مثل مصر، انتشار الانتهازية والمادية الشديدة فى مجتمع يبدو ظاهريا، من حيث كثرة مظاهر التدين، مكونا من الصالحين الروحانيين الزاهدين. وذلك فى نفس الوقت الذى تجد فيه مجتمعات علمانية تسود فيها الثقة النسبية والاحترام المتبادل بين البشر رغم «ماديتها». من أين تأتى تلك الأخلاقيات فى غياب الروحانية المفترض أنها منتشرة فى مصر؟.

تأتى من المنهج العلمى نفسه، الذى يسطر ضمنيا على الثقافة العامة ونظام التعليم.. لقد اعتقد قطب، كغيره كثيرين، أن المنهج «المادى»، البانى للعلم الحديث، مؤسس بالضرورة على مبادئ لا أخلاقية مناوئة لتراثنا الروحانى (ولذلك لا يجب استخدامه خارج التطبيقات العملية المباشرة). لكن المنهج المادى المكروه هذا له أسسه الأخلاقية المهمة، والتى نفتقدها عند نبذ أساسياته المعرفية: كتقدير قيمة البحث عن الحقيقة وقبولها، حتى إن كانت مزعجة لأنها تتناقض مع اتجاهاتنا ومعتقداتنا وانطباعاتنا المسبقة؛ والتسليم بأن كل شىء وكل شخص قابل للنقد، مهما كانت الهيبة والمكانة؛ وقبل كل ذلك قبول مبدأ حرية طرح الأفكار، وصيانة استقلالية وكرامة كل عقل إنسانى يقوم بالطرح أو النقد.

هذا هو التصور الأخلاقى المؤسس لعملية البحث فى أساسيات المعرفة العلمية، والذى مع تسربه للمجال السياسى كان تاريخيا فى أساس بناء مجتمعات تعددية، تتنافس فيها الأفكار والتيارات العقلانية دون إقصاء أو لجوء للعنف للفصل بينها. وهو منهج يبدو أفضل بكثير من التسلق الاجتماعى والتسلط السياسى باسم المطلق، الذى يبدو أكثر «مادية»، أو على الأقل انتهازية. وهو منهج لا يتناقض مع الإيمان إلا عند من أدمن فرض محاذير على الفكر، ليحصره داخل حدود تسمح بالسيطرة على عقول البشر، ثم على حياتهم.

الصراع هو صراع وجود لأنه يدور مع من يريد بسط قراءة معتمدة لمعنى الوجود ذاته، ويرمى إلى محو وجود أى طرح مغاير. وصراع حدود، لأن الحدود التى يريد فرضها تعتبر من النوع الذى يزيل أى أمل فى تواجد التعددية الفكرية، التى بدونها لا إمكانية أو معنى للتعددية السياسية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع وجود وليس فقط صراع حدود صراع وجود وليس فقط صراع حدود



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt