توقيت القاهرة المحلي 16:03:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا لو كان كيسنجر حيّاً؟

  مصر اليوم -

ماذا لو كان كيسنجر حيّاً

بقلم - جمال الكشكي

تابعت بدقة على مدار نحو 9 أشهر، أي منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تفاصيل المفاوضات والمباحثات، والجولات الأميركية في الشرق الأوسط، وكان الأمل يحدوني في التوصل إلى نهاية الحرب، بدلاً من التصريحات الرنانة لمسؤولي الإدارة الأميركية، لكنني وجدت صورة مشوشة، وارتباكاً في الرؤية الأميركية، وحيرة في التعامل مع فكرة إنهاء هذه الحرب.

تساءلت: هل بالفعل هناك غياب للرؤية، أم فراغ في العقول المفكرة، أم أن ذلك يأتي في إطار عمدي وممنهج؟ قبل أن أجيب عن هذه الأسئلة، خطر لي سؤال آخر: ماذا لو كان المُنظّر الأميركي الشهير، هنري كيسنجر، لا يزال على قيد الحياة؟ وبماذا كان سينصح ساكني البيت الأبيض، وإسرائيل في التعامل مع هذه الحرب؟

في واقع الأمر، إن تفاصيل ما جرى، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشير إلى غياب الرؤية والأفق وارتباك الحسابات، المتزامنَين مع منهج مقصود لإطالة زمن الحرب، ولكي نفهم أكثر طبيعة هذه الأجواء التي تصاحب الحرب، لا بد أن نستدعي مشاهد للرئيس الأميركي، ووزير خارجيته، ووزير دفاعه، ومستشاره للأمن القومي، خلال حضور مجلس الحرب الإسرائيلي، فهذه المشاهد تؤكد أن هذه الإدارة انحازت بشكل واضح - منذ البداية - لإسرائيل، ومن ثم فإنها أخرجت نفسها من دائرة الوسيط الذي يقف على مسافة واحدة، بين طرفَي الحرب، بل إنها منذ بداية الحرب وهي تتحدث على لسان وزير خارجيتها، عن اليوم التالي للحرب، رغم أن العمليات القتالية لم تضع أوزارها حتى الآن، وبالتالي فإننا أمام نتيجة تقول إن الإدارة الأميركية عاجزة عن تقديم طرح متماسك ومتكامل، يقبله الطرفان من ناحية، ويتفق مع المصالح الأميركية في المنطقة من ناحية أخرى.

هذه الصورة الأميركية المرتبكة في التعاطي مع إدارة الحرب، هي التي دفعتني إلى طرح السؤال حول: ماذا لو كان كيسنجر ما زال حياً، في ظل غياب النموذج الذي يشبهه بين صُنّاع السياسة الأميركية الآن؟

لا شك أن كيسنجر، الذي رحل متجاوزاً المائة عام، كان سيطبِّق نظريته الشهيرة التي تقول إن «الدبلوماسية هي فن تقييد القوة»، بمعنى أن الحوار الدبلوماسي هو أقصر الطرق للوصول إلى الغايات السياسية، وهو ما يحتاجه الآن طرفا الحرب، لا سيما أن تحليل الواقع السياسي، والميداني، يؤكد أن المنطقة كانت في حاجة إلى عقول تفكر خارج الصندوق الاستراتيجي، من نوع دبلوماسية «الخطوة - خطوة»، التي كان يتبناها هنري كيسنجر، وأسهمت في وقف الحرب الأميركية - الفيتنامية، في نهاية القرن الماضي، وكان هذا النوع من الدبلوماسية السبيل والطريق الناجح لعودة العلاقات الأميركية - الصينية، التي كانت منقطعة لمدة 30 عاماً، حتى استطاع كيسنجر أن يعيد بناء الجسور وفق دبلوماسية «الخطوة - خطوة»، أو «البينغ - بونغ»، أي الجولات المكوكية التي لا تعرف اليأس، أو الإحباط، ولا يمكن للعالم أن ينسى مهارات كيسنجر الدبلوماسية في إبعاد واشنطن عن حافة الحرب مع موسكو، إبان الحرب الباردة.

هذه الإرادة «الكيسنجرية»، والإيمان بدبلوماسية السلام والاستقرار العالمي، أصبحت الآن تغيب، ليس فقط عن قادة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بل نفتقدها أيضاً في خرائط شرق أوروبا، لا سيما في إدارة الحرب الروسية - الأوكرانية، وما يتم من عسكرة في منطقة الإندوباسيفيك، وغياب هذا النوع من العقول الدبلوماسية، ذات العيار الثقيل، أفضى إلى إطالة أمد الحرب، ومن ثم ازدياد أخطارها المستقبلية، وارتفاع منسوب الحذر من انفجار إقليمي بين قوى إقليمية متصارعة، ربما تدخل بالمنطقة مزالق يصعب الخروج منها، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية تحتاج الآن إلى طبعات جديدة من المستشارين وصانعي السياسات من طراز كيسنجر، الذي يعرف فك الشفرات، وإنهاء الحروب في الوقت المناسب، لأن صاحب هذه النظرية الدبلوماسية المبدعة كان يؤمن بأن استمرار الحروب لا يؤثر فقط في أطرافها المباشرين، بل في حضور وهيبة الولايات المتحدة نفسها، وهذا هو المعنى والمفهوم الذي يحتاجه ساكنو البيت الأبيض، في ظل الحرائق التي تمسك بتلابيب الأقاليم المختلفة من الكرة الأرضية وتشكل أهمية بالنسبة إلى مستقبل الاستقرار العالمي، ومكانة أميركا في النظام الدولي الحالي، خصوصاً أننا أمام دعوات لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب باتت فيه واشنطن مهددة بخسارة مكانها، ومكانتها التقليدية كرأس هرم قيادة العالم.

وسط هذا التخبط العالمي، وفقدان الرؤية داخل الإدارة الأميركية، وفي خضم الحسابات والتقديرات التي يتفق الجميع على أنها غير واضحة، وتنقصها المصداقية، والمقبولية، فإنني أحذر من خطورة تجاهل دبلوماسية «الخطوة - خطوة»، والتعامل بدبلوماسية إدارة الحرب بديلاً لإنهائها، فاستمرار هذا المنهج الأميركي القائم على الدعم الكامل لإسرائيل، قطعاً سيقود المنطقة والإقليم إلى انفجارات لا تنتهي، وصراعات من الصعب التنبؤ بعواقبها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا لو كان كيسنجر حيّاً ماذا لو كان كيسنجر حيّاً



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt