توقيت القاهرة المحلي 04:17:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أحمد عبد المعطي حجازي.. نحو التسعين

  مصر اليوم -

أحمد عبد المعطي حجازي نحو التسعين

بقلم - حلمي النمنم

قبل حوالى عشرين عاما، تحديدا فى شهر مايو سنة ٢٠٠٥، أجريت حوارا مطولا مع شاعرنا الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، تطرق الحوار إلى تجربته الشعرية وقضايا الحياة الثقافية المثارة حينها، كثير منها مازال قائما إلى يومنا هذا.

كنا وقتها فى ذروة الحديث عن ثنائية أو مفاضلة الرواية أو الشعر أيهما له السبق والأكثر تعبيرًا عن اللحظة؟، صدرت التساؤلات مع صيحة الناقد الراحل د.على الراعى فى مقال له بمجلة «المصور»، أن الرواية صارت هى «ديوان العرب»، بعدها مباشرةً فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل فى الآداب، وتبنى الناقد الكبير د. جابر عصفور مقولة أننا نعيش «زمن الرواية»، الفرحة بجائزة نوبل جعلت الجميع يركزون على كتابة الرواية، جاء ذلك على حساب الفنون الأدبية الأخرى مثل القصة القصيرة والنقد والمقالة الأدبية والمسرح والشعر، كل كاتب يشعر أنه مطالب بأن يثبت حضورًا فى دفتر الرواية، وجدنا كتابا كثرا يغادرون مقاعدهم بين الباحثين والأكاديميين وكذا الشعراء والصحافيون ويذهبون بملء إرادتهم نحو الرواية، ولا أحد ينكر أن فن الرواية يمنح الكاتب قدرًا أكبر من الحرية والتعددية فى تقديم المواقف والأفكار، مع إمكانية التخفى خلف الأبطال والشخوص، وهذا قد لا يكون متاحًا أمام الشاعر أو كاتب المقال، بالتأكيد لا قيد على الكاتب فيما يكتب وطريقته فى التعبير عن نفسه، لكننا بإزاء ظاهرة تستحق التوقف.

ثم أسس د. عصفور بالمجلس الأعلى للثقافة مؤتمر الرواية العربية وكان دوليًا ونجح نجاحًا كبيرا، حيث كان يتم الإعداد له جيدًا، يشارك به كبار النقاد والروائيين العرب، فضلا عن المهتمين بالرواية العربية بين غير العرب.

ثم تدخل صاحب نوبل نجيب محفوظ، مطالبا بضرورة أن يكون هناك مؤتمر مشابه عن الشعر، استجاب د. عصفور وتأسس المؤتمر بالفعل، وضع محفوظ النقاط على الحروف، مهدئا من الحرب الأهلية الثقافية التى كانت مشتعلة،، ذلك أن النثر والشعر ضروريان فى الثقافة العربية وكل الثقافات الإنسانية، فى تراثنا العربى جمع المعرى بين الأمرين، هو صاحب «اللزوميات» إلى جوار عدد من الرسائل النثرية، أشهرها «رسالة الغفران»، التى تأثر بها دانتى فى الكوميديا الإلهية.

فى عصرنا الحديث لدينا أكثر من نموذج لكتاب تميزوا فى الشعر والنثر معًا، يكفينا عباس محمود العقاد، كان شاعرًا وكان ناقدا ولديه رواية وحيدة هى «سارة»، فضلا عن عشرات الكتب الأخرى، هناك كذلك إبراهيم عبد القادر المازنى، يمكن كذلك أن نتوقف أمام إبراهيم ناجى وأحمد زكى أبوشادى، أحمد عبد المعطى حجازى نفسه، عدد كتبه النثرية، بدءًا بكتاب «محمد وهؤلاء»، أكثر من عدد دواوينه الشعرية.

أقر «حجازى»، فى حوارى معه بأن الشعر فى مصر والعالم العربى، ليس فى أفضل أحواله، هناك تراجع بالفعل، لكن الأزمة قادمة، لا محالة، إلى الرواية، ذلك أن النهوض الثقافى يكون عامًا والتراجع كذلك، كان حزينا ومتألما وهو يشرح المشهد الثقافى كما يراه.

وعنده أن القرن التاسع عشر كان فى أوروبا قرن ازدهار الرواية وهو كذلك قرن ازدهار الشعر. كان الحوار الذى نشر بمجلة «المصور»، وكان غلافًا لها بمناسبة مرور نصف قرن على أول قصيدة تنشر للأستاذ حجازى، نشرت على صفحات مجلة «الرسالة الجديدة»، كانت هذه المجلة تأسست لتكون عوضًا عن مجلة «الرسالة» التى كان يصدرها أحمد حسن الزيات، وقد أوقف الزيات إصدارها، سنة ١٩٥٣، عقب توقف وزارة المعارف عن اقتناء النسخ التى كانت تشتريها كل عدد.

فى السنة نفسها توقفت أيضا مجلة الثقافة، التى كانت تصدرها لجنة التأليف والترجمة والنشر، كان أحمد أمين يترأس تحريرها، كما توقفت مجلة الكتاب وكانت تصدرها دار المعارف برئاسة تحرير الكاتب والباحث عادل الغضبان.

ويبدو أن الدولة انتبهت إلى خطورة توقف تلك المطبوعات وهكذا صدرت المجلة البديلة، تولى يوسف السباعى رئاسة تحرير «الرسالة الجديدة» وقد منح الشبان فرصة جيدة لينشروا ما لديهم، مثلًا نشرت بها ثلاثية نجيب محفوظ، عبر حلقات متتالية، ومن بين هؤلاء الشباب كان ابن العشرين أحمد عبد المعطى حجازى، الذى انطلق بعدها مع رفيق دربه صلاح عبد الصبور فى تقديم تجربتهما فى تجديد القصيدة، فيما اصطلح على تسميته «الشعر الحر». كانت تجربتهما تعبيرا عن تيار ظهر فى الثقافة المصرية والعربية، فى العراق كانت هناك الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، كان ذلك التيار تعبيرا عن رغبة مجتمعية أكبر فى التحرر على كافة المستويات، بدءا بالتحرر الوطنى ذاته.

كان حجازى يكتب الشعر قبل ذلك وله قصائد جريئة جدا، لم تنشر، استمعت منه لبعضها فى حوار سنة ٢٠٠٥، لكن شهادة ميلاده الشعرية كتبت عبر قصيدة «الرسالة الجديدة»، أتمنى من الزملاء فى مجلة «إبداع» أن يعيدوا نشرها.

فى ذلك الزمان كان يكفى أن تنشر قصيدة أو مقالا فى مجلة أو مطبوعة على هذا النحو، فتفتح لك الدنيا ذراعيها، وهذا ما حدث مع الشاعر الشاب، بعدها صدر ديوانه الأول «مدينة بلا قلب»، سنة ٥٨، ثم تلاه ديوانه «أوراس» وتوالت أعماله الشعرية، كما رحب به الكبير «إحسان عبد القدوس» ليكون ضمن فريق وأسرة مجلة «روز اليوسف»، ويتفهم إحسان أنه بإزاء مبدع متمرد، فلا يرهقه بمسؤولية العمل اليومى.

طوال هذه الرحلة لم يتوقف حجازى عن التفاعل الإيجابى والجدل فى حياتنا الثقافية، اختلافا واتفاقا، بعض هذا الجدل كان صاخبًا وعكس حيوية ثقافية، أختلف بضراوة مع الأستاذ العقاد، حول موقف الأخير من تجربة حجازى وأبناء جيله، كان رأى العقاد أن ما يكتبه صلاح وحجازى جيد، لكنه لا يعتبر شعرًا، بل نثرا، الشعر لديه لا يكون دون الالتزام بالقافية، باختصار القصيدة هى «العمودية» فقط، كان العقاد حادًا وصارما فى معاركه النقدية.

هجا حجازى، العقاد فى قصيدة شهيرة، اعتذر عن حدتها وقسوتها فيما بعد، أكثر من مرة.

وهو شيخ جليل، دار التاريخ دورته، اختلف حجازى أيضا مع الشبان الذين يكتبون قصيدة النثر، ورغم أنهم يقدرون تجربته وتاريخه، كان بعضهم غاية فى القسوة معه وتحمل ذلك، غاضبا حينا ومتفهما حينًا آخر، وفى العقود الأخيرة شغل بكتابة مقال أسبوعى فى مجلة «المصور»، ثم فى «الأهرام» إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى مقال شهرى فى مجلة «إبداع».

يمتلك حجازى موقفا صارمًا تجاه الجماعات الظلامية، خاصة بعد الاغتيال المشين للدكتور فرج فودة، صيف سنة ١٩٩٣، ثم محاولة اغتيال نجيب محفوظ، أكتوبر سنة ١٩٩٤، لذا لم يكن غريبًا أن اسمه كان على قوائم الاغتيالات وقوائم دعاوى التفريق فى المحاكم.

فى كل كتاباته ومواقفه، لم تتراجع روحه الوطنية وإيمانه بحق هذا الوطن فى النهوض والتقدم، وأكبر مساحة من الحرية ومن التحرر السياسى والاجتماعى والثقافى والعدل بمعناه الإنسانى الواسع.

لم يكن حجازى طوال رحلته نسخة مكررة من بداياته، كان فى تطور وتجدد دائم، أيد وتفاءل بثورة يوليو والتجربة الناصرية، غير أنه مثل الكثيرين أعاد النظر فى عدة أمور، خاصة بعد هزيمة يونيو ٦٧، خاصة فى موقف التجربة من قضية الديمقراطية والحريات العامة. فى السبعينيات غادر إلى باريس حيث قام بتدريس الأدب العربى فى إحدى جامعاتها.

رحلة طويلة وممتدة منذ منتصف الخمسينيات، فى العام القادم يتم حجازى عامه التسعين، وتمر سبعون سنة على تواجده فى الحياة الثقافية، وأظن أن هذه المناسبة تستحق منا احتفاء خاصًا، يليق بصاحب التجربة وبثقافتنا وحياتنا الإبداعية.

مازال الرجل يكتب بانتظام ويواظب على متابعة بيت الشعر، يشارك بانتظام فى الصالون الشهرى للبيت، الذى يقع خلف الجامع الأزهر، متوكئا على عصاه، شامخا ومحتفظا بكبريائه.

تسعون عاما تستحق التقدير والاحتفاء، نحن نزرف الدمع الغزير على الراحلين لحظة فقدهم ونجيد كذلك القسوة عليهم وإنكارهم أحياء، نحتاج قدرًا من الإنصاف معهم فى حياتهم وهم بيننا، تكريما للإنجاز وللدور.

قد يفهم البعض أن المطلوب هو جلسة تصفيق وكلمات ودودة ثم شهادة تقدير، الاحتفاء الحقيقى هو دراسة التجربة والمسيرة الطويلة فى وجود صاحبها، نستمع منه وإليه ويسمعنا.

أتمنى أن تهتم الجهات المعنية بالثقافة والإبداع فى بلادنا بدءا من وزارة الثقافة، المجلس الأعلى للثقافة تحديدا، وكذا الهيئة العامة للكتاب، بهذه المناسبة ويبدأ الإعداد لها من الآن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أحمد عبد المعطي حجازي نحو التسعين أحمد عبد المعطي حجازي نحو التسعين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 04:17 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
  مصر اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt