توقيت القاهرة المحلي 06:14:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن عالم ترمب وعوالم أخرى... عودة أخرى

  مصر اليوم -

عن عالم ترمب وعوالم أخرى عودة أخرى

بقلم: د. محمود محيي الدين

كانت بداية هذا الشهر بإعلان الرئيس الأميركي ترمب عن فرض تعريفات جمركية على الدولتين الجارتين المؤسستين مع الولايات المتحدة، في عام 1992، لاتفاقية «النافتا»، التي ألغت التعريفة الجمركية عن السلع الداخلة في التجارة بين البلدان الثلاثة، كما ألغت تدريجياً القيود التي كانت مفروضة على حركة التجارة والاستثمار بينها. عُدّلت الاتفاقية في فترة حكم ترمب الأولى بمبادرة منه، بعدما وصفها بأنها الأسوأ في تاريخ الولايات المتحدة، بما يستدعي تعديلها وهو ما حدث. استمرت الاتفاقية الجديدة، المعروفة بحروفها الأولى المنسوبة للبلدان الثلاث «يو إس إم سي إيه»، في نهج الأولى مع تعديلات زيادة فرص التصنيع الأميركية للسيارات والتحقق من قواعد المنشأ التجارية، وتطوير القواعد المنظمة لسوق العمل، وحررت سوق منتجات الألبان، وطورت المواد المتعلقة بقطاع التكنولوجيا والتحول الرقمي، كما دعمت من الاشتراطات البيئية، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2020.

حققت التجارة البينية للولايات المتحدة فائضاً لصالح المكسيك بلغ 157 مليار دولار، بينما حققت كنداً فائضاً بلغ 55 مليار دولار، بما جعلهما هدفاً لتهديد الرئيس ترمب باستخدام سلاحه الغاشم البتار الذي لوّح باستخدامه أكثر من مرة، ألا وهو زيادة التعريفة الجمركية. فإذا كان هناك ما يؤرقه من هجرة غير شرعية أشار إليه؛ فإذا ما تردد حديث عن مجرد تفكير لدول الـ«بريكس» في عملة لها قد تستغني بها، ولو جزئياً، عن الدولار صرح بأن التعريفة الجمركية ستثنيهم عن هذه الفعلة؛ وإذا ما نما إلى علمه زيادات في وفيات الأميركان من تعاطي مخدرات الفينتانيل القاتلة المهربة عبر الحدود لم يجد في جعبته إلا زيادة التعريفة الجمركية.

وقد صرح الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة بأن التعريفة الجمركية ستتحمل البلدان الواقعة عليها أعباءها، وستشجع التصنيع المحلي وستجبر المصدرين إلى أميركا بتصنيع ما يصدرونه فيها، كما ستحقق دخلاً للخزانة العامة سيعوض في تقديره نقصان الإيرادات العامة إذا ما قرر تخفيض الضرائب. وكل هذه المزايا مطعون على صحتها بالأدلة الاقتصادية الدامغة. فضرر زيادة التعريفة الجمركية يتجاوز نفعها. وحتى إن قاس من يتبناها مزاياها بمنطق أن لها أضراراً، ولكن الخصم سيكون أكثر تضرراً منها، لكن الأوضاع الحالية للاقتصاد الأميركي ستجعل الضرر عليه بالغ السوء. فهو لم يبرأ بعد من التضخم وتداعياته ويعتمد مستهلكوه على سلع صينية، التي أعلن الرئيس ترمب أنه سيفرض 10 في المائة تعريفة جمركية إضافية عليها، فضلاً عن إسهام كندا والمكسيك بسلع تتمتع بمزايا نسبية في إنتاجها كان نصيبها من الإعلان الرئاسي 25 في المائة زيادة في التعريفة الجمركية.

على النحو الذي تم إعلانه، فنحن بصدد بداية لحرب اقتصادية عالمية بتداعيات سلبية على معدلات التضخم ومن ثم أسعار الفائدة مع تراجع في معدلات النمو الاقتصادي. ولهذه الحرب آثار محتمة في الأجل القصير على البلدان النامية التي ستتعرض لمخاطر تقلبات في أسعار الصرف وارتفاع تكاليف التمويل مع زيادة احتمالات إغراقها بسلع مستوردة.

أما عن الآثار في الأجلين المتوسط والطويل، فهناك تداعيات لهذه السياسات الحمائية على بلدان عالم الجنوب فما حققه بعضها من إنجاز في التنمية وزيادة فرص العمل ومكافحة الفقر منذ التسعينات من القرن الماضي، لم يكن إلا بفضل التوسع في تجارته الدولية تصديراً واستيراداً لمكونات الإنتاج وزيادة التنافسية لتحسين نوعية السلع المنتجة والخدمات المقدمة محلياً وللتصدير؛ وهو ما جذب إليها استثمارات محملة بتمويل لمشاريعها وتكنولوجيا متطورة.

وإذا ما كانت منافع التجارة الدولية حيوية للاقتصادات الأكبر حجماً فهي لا غنى عنها للبلدان التي تعاني صغر الأسواق، بما لا يمكنها من توليد فرص عمل أو زيادة دخول سكانها اكتفاءً بمواردها المحلية. فلا بديل لها عن زيادة فرص التصدير والاستثمار لدفع النمو، ولن تؤثر إجراءات إحلال الواردات في علاج اختلالات موازين التجارة والمدفوعات إلا في القطاعات التي تتمتع بها البلدان بمزايا نسبية وتنافسية ممكنة لها من ذلك. فالبلدان النامية التي اتبعت سياسات صناعية في إطار استراتيجيات متكاملة للتنمية، بتمويل منضبط لاستثماراتها حقق لها نمواً مرتفعاً، بما هيأ لها الانتقال من حدة الفقر المدقع إلى مراتب متقدمة في الاقتصاد العالمي.

وفي ظل هذه التوترات والصراعات الجيوسياسية أصبح التعاون الدولي المنشود بطيئاً قليل التمويل، معوقاً لتطوير المؤسسات المالية والتنموية الدولية، مضعفاً لحوكمتها، وقدرتها على القيام بمهامها في مكافحة الفقر ومعاونة الدول النامية في التعامل مع الأزمات. ولك أن تطلع على التقرير الجديد لمركز التنمية العالمية بواشنطن تحت عنوان «مستقبل المساعدات الإنمائية الرسمية» لتعلم ما يتعرض له العون الإنمائي من تحديات مبدلة لمساره - وقد صدر هذا التقرير قبل التطورات الأخيرة - التي لم تكتمل معالمها بعد - لهيئة المعونة الأميركية.

يحاول الاقتصاديون وعلماء السياسة التنقيب في التاريخ بما يعين على فهم الهوجة الترمبية، فمنهم من يشبهها بالقرار الأحادي للخروج من اتفاق «بريتون وودز» في عام 1971 بمنع تحويل الدولار تلقائياً إلى الذهب، فيما عُرِف بـ«صدمة نيكسون». ومنهم من يقارن الإجراءات الحالية والتهديد بغيرها بسلسلة المناوشات والحروب التجارية التي كان أسوأها ما جرى في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، ومن أشهرها ما يُعرَف بقانون التعريفة الجمركية «سموت – هولي» لعام 1930، ويعزى إلى هذه الإجراءات الحمائية ما وصل إليه الاقتصاد العالمي من أزمة الكساد الكبير، التي لم يفق منها الناس إلا بطبول الحرب العالمية الثانية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن عالم ترمب وعوالم أخرى عودة أخرى عن عالم ترمب وعوالم أخرى عودة أخرى



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt