توقيت القاهرة المحلي 03:11:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إدارة الديون في عالم شديد التغير

  مصر اليوم -

إدارة الديون في عالم شديد التغير

بقلم: د. محمود محيي الدين

من أهم ما أثير في المؤتمر الأخير لتمويل التنمية المستدامة الذي عُقد في مدينة إشبيلية الإسبانية الشهر الماضي قضية المديونية الدولية؛ التي كانت تعد أزمة صامتة يعاني من تبعاتها كثير من البلدان النامية. فنصف البلدان منخفضة الدخل إما تعاني بالفعل من ضوائق المديونية الخارجية، وإما تزداد أخطار تعرضها لمحنة سداد مديونيات تتجاوز طاقتها على السداد. ففي السنوات السبع الأخيرة ارتفعت تكلفة خدمة ديون البلدان ذات الأسواق الناشئة بمتوسط سنوي زاد على 12 في المائة سنوياً، بما يتجاوز ضعف متوسط نمو صادراتها والتحويلات القادمة إليها.

ويعيش اليوم أكثر من 3.3 مليار إنسان في بلدان يتجاوز ما تنفقه على فوائد القروض ما تنفقه على التعليم أو الرعاية الصحية، وفي حالات كثيرة ما تنفقه عليهما مجتمعيْن. فأي مستقبل ينتظر هذه البلدان وقد تجنبت أزمة التخلف عن سداد ديونها في وقوعها بتخلفها عن التنمية؟ وفي هذه الأزمة الصامتة، يتستر المدين بالتقشف في الإنفاق العام على أولويات رئيسية، ويعتصره لسداد فوائد الديون وأقساطها؛ ولا يريد أن يبوح بتكلفة أزمته ليستمر في استقدام مزيد من القروض الجديدة، التي يوجه جُلَّها لتمويل أقساط قروض قديمة. والدائن صامت ما دامت تدفقت أقساط السداد في مواقيتها، وإن هي تخلفت فقد استعد لها بمخصصات مناسبة فلن يعضله تأخرها، كما أن الدائن؛ مستفيداً من خبرات أزمات سابقة، تحوَّط برفعٍ مبالَغٍ فيه لتكلفة الإقراض الذي يقدمه لهذه البلدان لتعويض ما يعده من مخاطر التعثر.

وبين صمت المدين خشيةَ الحرمان من مزيد من الديون، واطمئنان الدائن على أوضاع مديونياته، انتهى الأمر إلى أن صافي التدفقات للبلدان النامية صار سالباً، إذ تجاوز ما تسدده هذه البلدان لدائنيها كل ما يتدفق منهم بمقدار 25 مليار دولار في عام 2024.

وتزداد تحديات سداد الديون، ومعها زيادة احتمالات التخلف عن السداد، مع ارتفاع تكلفة التمويل من ناحية، وتقلبات أسعار الصرف، وتراجع متوسط معدلات النمو الاقتصادي للبلدان النامية خلال السنوات الخمس الماضية إلى نحو 3.7 في المائة، وهو الأدنى على مدار ثلاثة عقود.

وكما أوضحت في المقال السابق، فقد نظم المقرضون تجمعاتهم وأحسنوا تنسيق مواقفهم، ومن أفضل ترتيباتهم ما كان في إطار نادي باريس الذي تطور على مدار العقود السبعة الماضية. وافتقر المقترضون لمثل هذا الترتيب بينهم رغم محاولات لم تحظَ بالتوفيق، إما لمناصبتها المعوقات من خارجها، وإما لافتقارها لأصول التنسيق المؤسسي والمثابرة داخلها.

وقد امتدت المطالبات بتأسيس تجمع للمقترضين بأهداف مختلفة، كان منها ما اقتُرح منذ عامين للبلدان الأفريقية للتنسيق بينها، وتبادل المعلومات، وتحسين الشروط التفاوضية والتعاقدية بتدعيم كفة المدين مقابل كفة الدائن التي لطالما رجحت فرصها، خصوصاً في إطار ترتيبات للمؤسسات المالية الدولية جعلتها منذ نشأتها تميل موضوعياً وعملياً تجاه البلدان الدائنة صاحبة الغلبة في رؤوس أموالها، ومقاليد حوكمتها. كما كان من الأهداف المقترحة أن يتجاوز دور هذا التجمع المقترح للمقترضين مواضيع مثل التعاون الفني والتنسيق وتبادل المعلومات إلى الاقتراض الجماعي. بما يذكِّرك بنموذج بنك «غرامين» في بنغلاديش المتخصص في القروض الصغيرة، من خلال تجميع ذوي الدخول الأقل معاً ليشكِّلوا كتلة متماسكة يدعم بعضها بعضاً فتقلل تكلفة الاقتراض بتخفيضها مخاطر التعثر. كما تستند هذه الفكرة إلى ما شرحه الاقتصادي جوزيف ستيغليتز الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد بمفهوم «رقابة النظراء»، أي قيام مجموعات متماثلة من المقترضين بمتابعة سلوكها وأدائها في التمويل والاقتراض والسداد فيما بينها لتقليل مخاطر عدم السداد بما يخفض التكلفة، ويحسِّن شروط التمويل عملياً.

وإن كانت هذه الفكرة قد وجدت فرصاً في النجاح في تمويل الأفراد على النحو الذي صار في تجربة بنك «غرامين» فإن صعوبات جمَّة تعترضها في حالة الاقتراض الجماعي لبلدان متفرقة كل منها ذات سيادة. قد تتبادر إلى الذهن حالة الاقتراض الجماعي للاتحاد الأوروبي بعد أزمة «كورونا»؛ للتعافي من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، من خلال إصدار سندات بين عامي 2021 و2026 بمقدار 800 مليار يورو بضمان والتزام بالسداد من خلال موازنة الاتحاد الأوروبي لصالح أعضائه، بزيادة متفق عليها في إيراداتها لهذا الغرض حتى تمام السداد في عام 2058.

هذه الفكرة شديدة الطموح وتتجاوز الترتيبات المؤسسية وحدود التعاون القائمة للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، فأمام البلدان الأفريقية أشواط تجتازها للتوصل إلى مستوى تعاون فعلي واندماج اقتصادي ومالي يسمح لها بالتمويل الجماعي من خلال سندات أو ترتيبات ائتمانية مشتركة. ولكن ما لا يؤخذ كله لا يُترك جُلُّه، كما تذهب القاعدة المتعارف عليها. وما يجب ألا يُترك في هذه الحالة هو تأسيس تجمع، فلنطلق عليه نادي الجنوب، يكون منصة للبلدان المقترضة بتصنيفاتها، كمقابل لنادي باريس للبلدان الدائنة. آخذين في الاعتبار أن نادي الجنوب ليس نادياً لمواجهة دول الشمال أو الغرب. فساحة الديون قد تبدلت ولم تعد القروض الثنائية لدول نادي باريس كما كانت من حيث النسبة والتأثير، خصوصاً مع ازدياد دور دائني القطاع الخاص والصين ودول أخرى ذات أسواق ناشئة ومرتفعة الدخل من غير الأعضاء في نادي باريس.

وتبرز أسئلة ملحَّة عن أولويات عمل «نادي الجنوب» ومؤسسيه، وحوكمته وإدارته، وعلاقته بالمؤسسات المالية والمنظمات الدولية وتكلفة أعماله، ومن يتحملها، وضمانات نجاحه، وسبل تقييم أدائه. ويتناول المقال القادم محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إدارة الديون في عالم شديد التغير إدارة الديون في عالم شديد التغير



GMT 22:24 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

مرحلة

GMT 22:21 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

الحوثي... الآن هنا

GMT 22:19 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

«ريد فلاج».. الاستظراف «علامة خطر»!

GMT 22:17 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

إطلالة سياسة في قمة الإعلام

GMT 22:14 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

التصويت على الحرب!

GMT 21:53 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

بيع محتمل

GMT 21:51 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

حفلة أصالة

GMT 21:49 2026 الأحد ,20 أيلول / سبتمبر

قبل الفواتير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt