توقيت القاهرة المحلي 10:19:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الطبقة الوسطى... هواجسها وسواكنها

  مصر اليوم -

الطبقة الوسطى هواجسها وسواكنها

بقلم - محمود محيي الدين

استكمالاً للنقاش حول الطبقة الوسطى وما طرأ عليها من تغيرات، استضافت الشهر الماضي الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية وجمعية الشرق الأوسط الاقتصادية، الزميل البارز بمعهد بروكينغز والخبير المخضرم هومي خاراس بواشنطن الذي صدر له كتاب عن الطبقة الوسطى حول العالم. ويرصد خاراس تطور عدد المنتمين إلى هذه الطبقة التي يقدّر عددها بنصف سكان العالم، أي نحو 4 مليارات نسمة، واستغرق الوصول إلى أول مليار منهم الفترة الممتدة من أعقاب الثورة الصناعية الأولى من 1825 حتى عام 1975، تركزوا في أوروبا الغربية والولايات المتحدة واليابان وأستراليا ونيوزيلندا. بينما استغرق الوصول إلى المليار الثاني الذين امتد انتشارهم جغرافياً في ربوع الأرض فترة أقصر بكثير من 1975 حتى عام 2008. وفي العقود الأخيرة أسهم النمو المرتفع في الصين ثم الهند في ضم مليارين آخرين إلى الطبقة الوسطى وإلى شرائح أغنى.

وتشهد الفترة الحالية تصاعداً في نمو ودخول ونفوذ الطبقة الوسطى في البلدان الآسيوية التي انتقل اقتراباً منها مركز الجاذبية الاقتصادية، بينما تتشبث الطبقة الوسطى في أوروبا والولايات المتحدة واليابان بما يمكّنها من الاستمرار في الانتماء إليها. وفي هذه الأثناء تعرضت الطبقة الوسطى في عالم الجنوب لتغيرات متباينة رفعت من مكانتها الاقتصادية والاجتماعية في بلدان وعصفت بها في بلدان أخرى وفقاً للتطورات الاقتصادية التي مرت بها من نمو وبطالة وتضخم وما تيسر للبلدان المختلفة تقديمه للإسهام في فرص نمو هذه الطبقة مع زيادة المنتمين إليها من الشرائح الأقل دخلاً التي كانت تعاني الفقر.

ولتوضيح أهمية الانشغال بأحوال الطبقة الوسطى في السياسات العامة نقتطف إشارتين: الأولى أوردها خاراس ذاكراً عنوان لكتاب ألفه جيمس كارفيل وستان جرينبيرج مستشارا الاستراتيجية السياسية للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي قاد حملته الانتخابية التي فاز فيها على جورج بوش الأب بشعار «إنه الاقتصاد يا غبي!». وجاء كتاب مستشاريْه أكثر تحديداً بعنوان «إنها الطبقة الوسطى يا غبي!». في إشارة لعلاقات الارتباط والسببية الوثيقة بين النمو والتشغيل وزيادة الدخول وممكنات الطبقة الوسطى من الاستقرار ثم الازدهار بما يمنحها الفرصة لمساندة سياسات من يمنحها هذه الفرص.

والإشارة الأخرى للاهتمام السياسي بالطبقة الوسطى ما جاء في تصريح لوزير الداخلية الهندي أميت شاه بصحيفة «إيكونوكيك تايمز» الهندية بأن رئيس وزرائه حقق في الأعوام التسعة الماضية، منذ توليه الحكم، أحلام الطبقة الوسطى من خلال افتتاح مؤسسات تعليمية جديدة لتعليم أبنائهم بنوعية عالية وإيجاد فرص العمل وإتاحة مساكن بإيجارات أو أثمان مناسبة، مع دعم الخدمات الصحية وتيسير استرداد الضرائب لها، وكذلك توفير وسائل الانتقال والسفر. والجدير بالاعتبار هو ما أوردته دراسة شارك في إعدادها الاقتصادي المرموق سورجيت بالا، الذي شغل منصب المدير التنفيذي بصندوق النقد الدولي، بأن الهند قد حققت إنجازاً بالقضاء على الفقر المدقع وفقاً للمعايير العالمية، وأن السياسات المتبعة في إعادة توزيع الدخل ينسب لها الفضل في زيادة القدرة على الاستهلاك للفئات الأقل دخلاً وبمعدلات أعلى في المناطق الريفية. وأن هذه الزيادات لا تتضمن أنواعاً مختلفة من الدعم للصحة والتعليم وتحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي وتوصيل الكهرباء للمساكن.

ويلاحظ أن البلدين الأكثر سكاناً قد أعلنا الواحد تلو الآخر بإنجاز القضاء على الفقر المدقع. فقد سبقت الصين الهند إلى ذلك بإعلانها في عام 2020 أنها توصلت إلى المستهدف المعلن بالقضاء على الفقر المدقع وهو المعوق الأكبر للتنمية المستدامة وهدفها الأول وفقاً للأجندة الأممية لعام 2030. ويأتي ذلك في وقت تراجع فيه أداء الكثير من البلدان المتقدمة والنامية في التنمية؛ إذ إن 15 في المائة فقط من أهداف التنمية السبعة يبدو على مسارات تحقيقها عالمياً، وأن 55 في المائة منها منحرف بدرجات متفاوتة عن تحقيقها و35 في المائة من الأهداف أسوأ مما كانت عليه مقارنة بإشارة البدء في 2015. والمستفاد من تجربتي الصين والهند أن جهد الارتقاء بفرص الطبقة الوسطى في الاستقرار والتقدم لا يتناقض، بل يدعم السياسات واجبة الاتباع بأولوية لانتشال من يعانون الفقر المدقع.

ولتوضيح ما استجد مع هذا الصعود الآسيوي للطبقة الوسطى والتحديات المتزايدة التي تواجهها في الغرب ومثابرتها في البلدان الأخرى، هناك دراسة أعدها الاقتصادي بالا عن الفترة المشهودة قبيل سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي حتى الأزمة المالية العالمية منذ عام 1988 حتى عام 2008. ففي هذا العالم شديد التغير متسارع الأحداث لا تكاد تكون فيه لحظة مملة للمتابع تطوراته التي شهدت فيها زيادة في نصيب الطبقة الوسطى من المنتمين إلى شرائحها الدخلية المختلفة خاصة في الصين والهند، مع تراجع نصيب شرائح من المنتمين إلى الطبقة الوسطى الأقل دخلاً في البلدان المتقدمة، هذا مع زيادة الأثرياء ثراءً في شريحة الواحد في المائة في قمة توزيع الدخل، وزيادة شريحة العشرة في المائة الأفقر في العالم، فقراً عند قاع توزيع الدخل. فلا تعجبَن من تصاعد تيارات اليمين المتطرف في بلدان الغرب وزيادة النزعات العنصرية لهذه التيارات واختياراتها العجيبة والمؤسفة في انتخاباتها العامة على مدار الفترة التالية للأزمة المالية العالمية التي اعتبرها نقطة تحول نحو بداية التراجع النسبي للقوى الاقتصادية التقليدية التي تربعت على عروش الاقتصاد والتقدم منذ الثورة الصناعية الأولى.

أراك تتساءل عن أحوال الطبقة الوسطى في بلداننا، وهو ما سأستعرضه في مقال قادم كان من الضرورة أن يأتي بعد هذه السياحة العاجلة لتفقد أحوال هذه الطبقة في الشرق والغرب ومآلاتها. ومفتاح فهم ما يصير لهذه الطبقة وكذلك بها للمجتمع بأسره ذكره الشاعران حافظ إبراهيم وخليل مطران في عام 1913 بتقديمهما لكتاب ترجماه تحت عنوان «الموجز في علم الاقتصاد»:

في الاقتصاد حياتنا

وبقاؤنا رغم المكابر

تربو به فينا المصانع

والمزارع والمتاجر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطبقة الوسطى هواجسها وسواكنها الطبقة الوسطى هواجسها وسواكنها



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt