توقيت القاهرة المحلي 11:02:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما بعد القدس

  مصر اليوم -

ما بعد القدس

بقلم - نديم قطيش

مضى ردح من الزمن كانت فيه فلسطين بقدسها وقضيتها، «قضية العرب المركزية»، أو الأولى في رواية أخرى! لكنه زمن مضى.
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قراره نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، ثار بعض الغبار الإعلامي العربي الذي سرعان ما هدأ ليكشف عن تراجع فلسطين والقدس في وعي «الجماهير» وأولوياتها.
بعض المعلقين العرب على الشاشات التي فُتحت يومها على مصراعيها، بشرنا أن «الجماهير» ستنزل إلى الشوارع وأن الفلسطينيين سيهبون في انتفاضة صاعقة تقلب الموازين وتعيد ترتيب الأولويات التي اختلت منذ عملية حرية العراق 2003 التي قادتها واشنطن لإسقاط نظام صدام حسين، قبل أن ينتهي العراق بلا صدام وبلا حرية!
لم يخرج الناس. لم يقطعوا يومياتهم من أجل القدس. حتى الإسلاميون، سنة وشيعة، اكتفوا بعراضات مسرحية هزيلة كزيارة الميليشياوي العراقي قيس الخزعلي إلى حدود لبنان مع إسرائيل، وتبجحه بالتحرير الآتي وباستعداده للمشاركة في القتال جنباً إلى جنب مع ميليشيا «حزب الله». وهذه الميليشيا الأخيرة، صاحبة الصوت الأعلى عن القدس، كانت تتسلى بإعادة تعريف الجغرافيا، فتارة ترسم للقدس طريقاً يمر إليها من القصير السورية، وطوراً من حلب أو غوطة دمشق، وفي الأحوال جميعاً كانت الطريق تمر عبر بحيرة الدم السورية.
سبق للخميني أن بدأ لعبة الجغرافيا هذه، فكانت طريق القدس أيامها تمر من كربلاء، إلى حيث يوفد الفتية الإيرانيون إلى موت أكيد ومحكم لا حصة للقدس فيه إلا الاسم والدعاية.
وسبق للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات أن مررها من جونية، «عاصمة» لبنان المسيحي خلال الحرب الأهلية التي لا يمكن فصلها عن كونها في جانب رئيسي منها، من إفرازات القضية الفلسطينية.
أما حركة حماس فقررت أن طريق القدس تمر حكماً على جثة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وعبر حكومة غزة وحدها لا شريك لها، قبل مصالحة مهزوزة تحتاج إلى مصالحات يومية فرعية تعزز صمودها الصعب.
وصارت القضية الفلسطينية سبباً لتأجيل التنمية وسبباً لإحالة الحريات إلى التقاعد ولإقامة الديمقراطية الطويلة في غرفة الانتظار. يهرب بها وعبرها صدام حسين، أو يحاول، من نتائج غزوه الأحمق للكويت.
أما آخر الهاربين بها وعبرها وأكثرهم مدعاة للسخرية فهو عبد الملك الحوثي، الذي لم يلفته أنه فيما كان يرغي ويزبد حول القدس، كانت صواريخ ميليشياه الإيرانية تنطلق باتجاه الرياض وخميس مشيط وجازان ونجران.
وتهرب بالقدس وعبرها الشريحة الأكبر من النخبة العربية التي لا تريد أن تصارح الناس حول حقيقة أن القدس لن تعود موحدة، حيث إن كامل البنية القانونية والشرعية الدولية المستندة إلى قرارات وبيانات أممية تقوم على مبدأ تقسيمها إلى قدس غربية عاصمة لإسرائيل وشرقية عاصمة لدولة فلسطين. وهذا بالمناسبة منطوق مبادرة السلام العربية بيروت - 2002 والتي تنادي بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين. ولعل هذا المعطى، وليس الهبة الشعبية التي لم تأتِ، هو الذي قاد إلى إجماع دولي في مجلس الأمن على رفض قرار ترمب بشأن القدس، باعتبار أن الإجراءات الأحادية الأميركية تقوض فرص السلام القائم على أساس حل الدولتين.
ويتغطى بالقدس وتحريرها من لا يريد أن يفتح المخيلة على حلول أو اقتراحات خارج الخطاب الدوغمائي، كأن تكون المدينة مدينة معولمة، أي مدينة دولية مفتوحة تتعايش فيها الأديان الإبراهيمية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، والتي يتصارع بعض أتباعها على مقدساتهم فيها.
آن لنا أن ننتبه أن فائض الاستثمار في رمزية القدس الموحدة لم يؤدِ في الواقع إلا إلى سقوط عواصم عربية الواحدة تلو الأخرى. فإيران التي تزايد على العرب بعنوان القدس، تعلن بدورها أنها تحتل أربع عواصم عربية هي دمشق وبيروت وصنعاء وبغداد. أياً كان منسوب الادعاء في مثل هذا التصريح، إلا أنه يحرض على التفكير في أسباب التساهل مع احتلال إيران لبلاد العرب والاستنفار الدائم في وجه إسرائيل!! لا ينطوي هذا الكلام على أي تبرئة لإسرائيل، التي لا يوجد فيها شريك حقيقي لسلام منذ اغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين عام 1995. ولكنه وبصراحة ينطوي على رغبة في إعادة تعريف من هو العدو، وتحديث قائمة الأعداء وأسباب العداوة مقرونة بخطاب واضح حول تصورات الحل.
الملل من الاستخدام الرديء للقدس لا يلغي أحقية الفلسطينيين بدولة، ولا يقلل من عدالة قضيتهم، ولا يتراخى مع حقهم في أن يكونوا ممثلين في هذه المدينة التعددية وشركاء أصليين في نهوضها وسط انهيار كبريات مدن العرب من بغداد إلى حلب ودمشق، مروراً بالانهيارات الجزئية ولكن العميقة في بيروت. إنما الإشارة الفجة إلى الملل من الاستخدام الرديء للقدس، سببها أنه لم يبقَ لنا من القدس إلا هذا الاستخدام الرديء والدوغمائي لسؤال يحتاج دوماً للابتكار.

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد القدس ما بعد القدس



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt