توقيت القاهرة المحلي 21:15:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان... لنعثر على الجمهورية قبل رئيسها

  مصر اليوم -

لبنان لنعثر على الجمهورية قبل رئيسها

بقلم: نديم قطيش

تشبه التصريحات السياسية اللبنانية، قراءة الطالع والتنجيم، اللذين يزدهران في لبنان ازدهاراً غير مسبوق، عادة ما يبلغ ذروته ليلة رأس السنة.

لا فارق جدياً بين ما يقوله منجمو الشاشات، وبين ما يقوله معظم القيادات السياسية عن الاستحقاقات المنتظرة، وأبرزها انتخاب رئيس للجمهورية. يضرب البعض موعداً لانتخاب الرئيس صوب الربيع المقبل، ويقول آخر إن الفراغ لن يستمر إلى ما بعد فصل الصيف، ويروح الجميع يبحثون في رزنامة الأحداث الدولية ويتفننون في ربط الاستحقاق الرئاسي المجمد، بأحداث آتية، تبدأ من تطورات الملف النووي الإيراني أو نتائج الحراك الشعبي المندلع هناك، وتعبر منحنيات الأزمة الأوكرانية وتحفل بما يُتصور أنه المستقبل الذي ترسمه فرنسا لنفسها ولأوروبا برمتها من بوابة الدور اللبناني.
والثابت عند كل قراء الفنجان اللبناني، أن «البلد لا يحتمل فراغاً أطول»! فظيعة هذه العبارة. فهي تنطوي أولاً على افتراض أن البلد حامل للفراغ الحالي، رغم كل مظاهر تجاوز طاقة التحمل التي يدل عليها الانهيار المستمر في قيمة العملة اللبنانية، ونزيف الهجرة، وارتفاع معدلات الجريمة، وتعطل مؤسسات الدولة، وفقدان الخدمات، وسيادة العفن في كل مفصل من مفاصل ما يعرِف الدولة أنها دولة. وتنطوي العبارة ثانياً على افتراض أنه بانتخاب رئيس للجمهورية، تُفرمل مسارات الانزلاق نحو أعماق جديدة من أعماق جهنم التي دخلها لبنان باعتراف رئيس جمهوريته السابق ميشال عون وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع.
ألم يحصل الانهيار في ظل امتلاء مقام الرئاسة لا في ظل فراغه؟ بل لا ظلم في القول إن الانهيار حصل تحديداً بسبب امتلاء المقام، كي لا نقول ابتلاء، بمن امتلأت به، على قاعدة تسوية سياسية أُريد لها أن تحفظ الأمن الاقتصادي والمعيشي للبنانيين، وتأجيل حفظ الأمن السياسي لهم في ظل عدم القدرة على معالجة ملف سلاح ميليشيا «حزب الله».
هل من البديهي مثلاً الافتراض أن أوضاع لبنان في ظل رئاسة عون، أفضل منها في ظل الفراغ الذي نتج عن نهاية عهده وفشل البرلمان في انتخاب رئيس؟ ليست هذه دعوة للفراغ كهدف بحد ذاته بالطبع. إنها دعوة للتواضع في استخدام المفردات السياسية في بلد لا تدل فيه الأسماء بالضرورة على مسمياتها. فلا الديمقراطية ديمقراطية، ولا الانتخابات انتخابات، ولا المعارضة معارضة ولا الموالاة موالاة، ولا الدستور دستور، ولا التغييريون تغييريون، ولا الثورة ثورة، ولا التسوية تسوية، ولا الحوار حوار، ولا أي مسمى هو ما يدل عليه اسمه.
هي بالضبط دعوة للتواضع أولاً في استخدام المفردات السياسية. ودعوة ثانياً للكف عن التكاذب في تعريف المشكلة التي يعاني منها لبنان. اللبنانيون ببساطة مدعوون للبحث عن الجمهورية قبل البحث عن رئيسها. مدعوون للبحث عن الدولة، بتعريفاتها البسيطة والأولية، حتى قبل الدخول في نقاش طبيعة نظامها السياسي أكان رئاسياً أم برلمانياً، ثنائي الحزبية أم متعدد الأحزاب!
لنتفق أولاً على ضرورة أن نتفق على التعريفات البديهية للدولة، التي بموجبها يمنح هذا الكيان أو ذاك عضويته في منظمة الأمم المتحدة. لنتفق أولاً أن لا دولة يمكن لها أن تقوم وتستمر في ظل حاكمية سلاح ميليشياوي غير شرعي، بات هو الميثاق والدستور والعرف والمراسيم، والمراسيم التنفيذية. لا وجه شبه بين ما كانه هذا السلاح بعد اتفاق الطائف، وما كانه الواقع الاستراتيجي في المنطقة عربياً ودولياً يومها، حين نجت نسبياً تجربة التعايش بين «المقاومة والإعمار»، وبين ما هو السلاح اليوم وما هو الواقع الاستراتيجي في المنطقة.
مع ذلك، ليس صعباً الإثبات أن التأسيس للانهيار الحالي بدأ منذ تلك التسوية، التي ارتضت التعايش مع سلاح غير شرعي، بحجة ما يسمى المقاومة، حتى إن حان الوقت قتل هذا السلاح شريكه في التسوية، وانقض على مصالح رعاتها من بيروت إلى صنعاء مروراً بدمشق وبغداد.
لا يجوز أن تستمر لعبة قراءة الفناجين كبديل موضوعي عن نفي السياسة، إن كان لا يزال هناك من يريد حقيقة الوصول إلى تسويات مستدامة في لبنان، تسمح بإعادة إنتاج مداميك الدولة.
بموجب ميزان القوى الحالي، لا رئيس في لبنان سينتخب، حتى الرئيس التوافقي، إلا عبر موافقة «حزب الله». وقد سبق لـ«حزب الله» في محطات لبنانية سابقة أن دخل في تسويات لا تتناسب مع شهواته للتسلط والتحكم، بل تتلاءم مع قراءته الناضجة معظم الأحيان لمصالحه ولاتجاهات الرياح. ومن الأمثلة على ذلك، أنه وحين بدأت ترتفع موجات التأييد الشعبي للتطرف الجهادي في الأوساط السنية اللبنانية، في خضم الحريق السوري، وتمدده بالسيارات المفخخة نحو ضاحية بيروت الجنوبية، أدرك الحزب أنه لا بد من تسوية مع السنة تشعرهم أنه يتراجع عن انقلابه على حكومة زعيمهم سعد الحريري، التي كان أطاحها مطلع عام 2011، ونصب مكانها حكومة اللون الواحد برئاسة نجيب ميقاتي، فكانت حكومة الرئيس تمام سلام.
يحترف «حزب الله» هذه اللعبة. وسيعيد إنتاج نسخ منها في الانتخابات الرئاسية، من دون أن يقود انتخاب رئيس جديد إلى أي تغيير جدي يذكر، يتجاوز الترقيع المالي والاقتصادي والخدماتي، إن حصل أي منه أصلاً.
والحال، فالمعركة ليست معركة إيجاد رئيس للجمهورية، بل معركة إيجاد الجمهورية نفسها، وهذا يتطلب خلق كتلة سياسية وشعبية، عنوان معركتها استعادة الجمهورية، والدولة، وأول شروط ذلك رفض التسوية مع السلاح. هل يسمح ميزان القوى بذلك؟ الجواب الآن لا، ما يعني أن البديل عن التسوية هو القول لـ«حزب الله» تفضل واحكم لبنان بالطريقة التي تراها مناسبة، بعد أن تحسم معركة الرئاسة بين مرشحيك سليمان فرنجية وجبران باسيل، وبعد خروج الرافضين لجمهورية السلاح من البرلمان.
إذا كان لبنان يغرق ولا بد، فليسحب حطام السفينة اللبنانية الغارقة، «حزب الله» معه، إلى عتمة الأعماق، وليبقَ على الشاطئ من بهم يمكن إعادة التنقيب عن البلاد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان لنعثر على الجمهورية قبل رئيسها لبنان لنعثر على الجمهورية قبل رئيسها



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt