توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في مديح اتفاق «17 مايو»

  مصر اليوم -

في مديح اتفاق «17 مايو»

بقلم - نديم قطيش

جعل اللغو والصراخ السياسيين، اتفاق السلام بين إسرائيل ولبنان، الموقَّع في 17 مايو (أيار) 1983، شيئاً يشبه المحرمات. المحاولة المهمة لإقامة السلام وتطبيع العلاقات بين البلدين، وسط فوضى الحرب الأهلية اللبنانية، والزلازل التي كانت تضرب الجيوبوليتيك الإقليمي، عبر ثورة الخميني والسلام المصري - الإسرائيلي، وفي ظلال الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، صمدت أقل من 10 أشهر.

منذ ذلك الحين، وبسبب مباشر من الوجود السوري الطويل في لبنان وسيطرته على الثقافة والخطاب السياسيين في البلاد، ثم وراثة ميليشيا «حزب الله» هذا الدور السوري، أُبطل كل نقاش حقيقي حول السلام الإسرائيلي - اللبناني. وجرى تزوير اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية بقراءات تعزز المقاومة وتؤبد العداء اللبناني - الإسرائيلي وتؤدلجه ضمن سياق لا علاقة له بالمصالح اللبنانية العملية والمباشرة، كالاحتلال والموارد والأمن وغيرها.

نصَّت معاهدة السلام على الاعتراف المتبادَل بين حكومتي البلدين بالسيادة وسلامة الأراضي، مع الالتزام بمنع الأعمال العدائية عبر الحدود. ووافقت إسرائيل على سحب قواتها من لبنان على مراحل خلال 12 أسبوعاً، بشرط انسحاب القوات السورية وقوات منظمة التحرير الفلسطينية من الأراضي اللبنانية. وكان مقرراً إنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان، يتولى فيها الجيش اللبناني مسؤولية الأمن، بالإضافة إلى بنود عامة بشأن التعاون الاقتصادي والاجتماعي، وفتح الباب على تبادل العلاقات الدبلوماسية.

لا شيء من هذه البنود يتعارض مع مصالح لبنان!

اللافت أن بين مَن صوَّتوا على الاتفاق في حينه، بأغلبية 65 صوتاً في البرلمان، خليطاً من أبرز الساسة المسلمين والمسيحيين، وممن تسنى لهم أن يلعبوا لاحقاً أدواراً متقدمة في المشهد السياسي اللبناني، وزراء ونواباً وأعياناً، وتولى من بينهم الراحل إلياس الهراوي منصب رئيس الجمهورية لتسع سنوات!

أما من صوَّتا ضد اتفاق 17 مايو داخل البرلمان فكانا من رموز اللغو العروبي اليساري، وهما زاهر الخطيب ونجاح واكيم! الاعتراض الأقسى تمركز خارج البرلمان وتحديداً عبر الميليشيات المذهبية، الدرزية والشيعية، بالتحالف مع الرئيس الأسبق، السوري الهوى، سليمان فرنجية، وعروبيي الطائفة السنية كالرئيس الراحل رشيد كرامي، ومفتيها الراحل حسن خالد... واللافت أن الطائفة السُّنية ستدفع أثماناً باهظة لاحقاً جراء مناوءتها الوجود السوري، وتنزف بعد سنوات قليلة جداً عدداً من الوجوه والأعيان ممن تقاطعوا مرحلياً مع سوريا حافظ الأسد على رفض معاهدة السلام، كالمفتي خالد والنائب ناظم القادري وآخرين.

حقيقة الأمر أن اتفاقية 17 مايو لم تسقط جراء عدم تحقيقها مصالح لبنان، بل بسبب معارضة سوريا الشديدة لها وحرصها على استمرارية نفوذها في لبنان، وكفاءتها في الاستثمار في الانقسامات اللبنانية وصراع الأجيال داخل الطوائف، وفطنتها في ترفيع طامحين جدد غيَّرت عبرهم كامل النخبة السياسية في البلاد. كما سقطت المعاهدة كي لا تكون عائقاً أمام السطو الإيراني الممنهج على شيعة لبنان، ممن صوَّت أعيانهم لصالح السلام، في حين كانت تسعى الخمينية لتحويلهم إلى رافعة لمشروع تصدير الثورة.

لعلها من سخريات القدر اليوم، أن لبنان، الذي يواجه أسوأ أزماته الاقتصادية منذ 150 عاماً حسب تقديرات البنك الدولي، وينازع على حافة الحرب الشاملة مع إسرائيل جراء قرار «حزب الله» إسناد حركة «حماس» في حربها الراهنة في غزة... يفاوض إسرائيل بشكل غير مباشر عبر حليفه الرئيس نبيه بري والأميركيين، على ما هو شبيه بترتيبات 17 مايو، أقله لناحية المناطق العازلة، وترسيم الحدود، وترتيبات الهدنة!

صحيح أنه لا بحث راهناً في التطبيع السياسي أو إنهاء حال العداء، بيد أن اتفاق السلام اللبناني - الإسرائيلي يبقى، بروحه والكثير من نصوصه، الأفق الوحيد المنطقي لعلاقات البلدين.

مثَّل اتفاق 17 مايو فرصة كبيرة ضائعة للبنان، كان من الممكن أن تغيِّر مسار البلاد نحو مصير مختلف تماماً. ولو قُيِّض للمعاهدة أن تصمد، فما كان لشيء أن يمنع تعزيز التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، عبر مشاريع مشتركة في البنية التحتية والتجارة والسياحة والطاقة وتحقيق النمو وفرص العمل. ولأمكن أن يحظى لبنان بدعم مستدام وممنهج من الولايات المتحدة كضامن، يمكّنه من جذب مساعدات واستثمارات خارجية كبيرة.

بإسقاط هذه الفرصة، استمر لبنان في دفع ثمن باهظ من حيث التشرذم السياسي، والانهيار الاقتصادي، والصراع المستمر، والتشابك القاتل في الصراعات الإقليمية. السلام اللبناني - الإسرائيلي، مدعوماً بضمانات دولية قوية، ضرورية لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين، وحده ما سيمكّن لبنان من استعادة إمكاناته وتأمين مستقبل أكثر إشراقاً لمواطنيه.

عاجلاً أم آجلاً، ستذهب المنطقة برمّتها نحو مزيد من السلام، وسيكون لبنان قد دفع كثيراً من الأثمان الرهيبة قبل أن يلتحق بما كان متاحاً له بتكاليف أقل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في مديح اتفاق «17 مايو» في مديح اتفاق «17 مايو»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt