توقيت القاهرة المحلي 14:47:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إيران ومظاهرات جامعة هارفارد

  مصر اليوم -

إيران ومظاهرات جامعة هارفارد

بقلم - نديم قطيش

التقت إيران مع تنظيم «القاعدة» في مديح المظاهرات الطالبية في الجامعات الأميركية احتجاجاً على حرب غزة. إذ أشاد المرشد خامنئي بما وصفه وقوف المحتجين «على الجانب الصحيح من التاريخ»، قائلاً: «إنهم تمكنوا من إنشاء فرع آخر من (جبهة المقاومة) ضد إسرائيل». ونشر تنظيم «القاعدة» بياناً باسم قيادته العامة جاء فيه: «إننا نُقدِّر ونثمِّن حراك الغربيين المتظاهرين والمعتصمين من طلاب الجامعات الغربية، الذين عبَّروا باعتصاماتهم واحتجاجاتهم عن رفضهم للإبادة التي تحدث في غزة العزة».

يتجاوز هذا التقاطع المعقَّد بين اليسار الليبرالي والتطرف الإسلاموي حدود التوافق الجيوسياسي إلى أبعاد آيديولوجية ونفسية واستراتيجية خطيرة.

صحيح أن حراك الشباب الجامعي اليساري الداعم للقضية الفلسطينية يركز في الغالب على قضايا حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، إلا أن الجزئية المتعلقة بمناهضتهم الجذرية لإسرائيل بوصفها منتجاً إمبريالياً غير شرعي ومؤقتاً، يتوافق تماماً مع وجهات نظر المتطرفين الإسلاميين مثل «القاعدة» والنظام الإيراني. فشعار «فلسطين حرة من النهر إلى البحر»، الذي لا يبقي مكاناً على الخريطة لإسرائيل، يشكل نقطة تقاطع فظيعة بين الطلاب المنتفضين في الجامعات الغربية وبين سردية أكبر للمتطرفين الإسلاميين، تَعد بإزالة إسرائيل من الوجود، لأسباب دينية وآيديولوجية، يأتي على رأسها إضعاف النفوذ الغربي وتعزيز نموذج الإسلام السياسي. هكذا يتحول الطلاب في جامعات الغرب إلى رافد من روافد إضعاف الغرب نفسه الذي يعيشون فيه ويتمتعون بحرياته وجامعاته، ومطية لدفاع المتطرفين عن تطرفهم تحت لافتة الاستقلال الثقافي والديني.

السذاجة اليسارية الليبرالية يقابلها استغلال الجماعات المتطرفة لاحتجاجات الطلاب وتحويلها إلى فرص استراتيجية لإضفاء الشرعية على قضاياها الخاصة وتوسعة رقعة الداعمين لها وجعلها منصة لتجنيد الأتباع والمنفّذين. ولعل ما يُغشي أبصار اليساريين الليبراليين، هو التقاطع بينهم وبين المتطرفين الإسلاميين، على الاعتقاد بأنهم يتمتعون بتفوق أخلاقي في نضالهم ضد أعداء مشتركين، غافلين عن حقيقة أن كلاً منهما يسعى لنهايات اجتماعية وسياسية مختلفة عن الآخر. ففي حين يعتقد الليبراليون اليساريون أن سعيهم هو من أجل العدالة والمساواة والتعددية الثقافية، يريد المتطرفون أن يُنشئوا مجتمعات قمعية مغلقة تحت ستار معركة مقدسة ضد الفساد والانحطاط الأخلاقي. ولعل انحياز الليبراليين مثلاً للدفاع الحار عن الحجاب، هو ذروة هذه المشهدية السوريالية. ففي حين يناصر الليبراليون الحجاب بوصفه عنواناً من عناوين التسامح والتعددية ومناهضة الإمبريالية الثقافية، يوظف قادة مجتمعات الإسلام السياسي الحجاب في لعبة الهوية والقمع والهيمنة وإخضاع المرأة!

مع ذلك، يبدو الترابط الآيديولوجي بين المعسكرين أقوى بكثير من التباينات الواضحة في الأهداف والخلاصات النهائية التي يسعى كلاهما إلى تحقيقها. فالطرفان يتبنيان فكرة التغيير الجذري وقلب هياكل السلطة القائمة، ويتشاركان الإيمان بضرورة العمل الثوري لتحقيق أهدافهم، سواء من خلال الحركات الاجتماعية أو الاضطرابات السياسية أو الكفاح المسلح، بغية تحقيق مجتمع عادل.

ولئن كانت سرديات كلا المعسكرين تركز على مقاومة الظلم والنضال من أجل العدالة، وشعورهما المشترك بالتهميش من قوى الأمر الواقع على المستوى الكوني، فإن هذا مما يخلق أسساً مستقرة للتوافق بينهما، حيث يستغل كل طرف الإطار السردي للآخر لتبرير أفعاله واستراتيجياته.

ولو عُدْنا قليلاً إلى الوراء سنجد أن إيران استغلت الأدبيات والآيديولوجيات اليسارية بشكل استراتيجي لتحقيق أهدافها الثورية، من خلال دمج عناصر من الخطاب المناهض للإمبريالية، وتوظيف المصطلحات الماركسية - اللينينية عن العدالة الاجتماعية الاقتصادية، ونصرة الفقراء والمضطهدين لتحريك المشاعر الثورية. ولعبت هذه المناورة دوراً مهماً في تشكيل إيران تحالفات استراتيجية مع مجموعات وأكاديميين يساريين، من خلال استغلالها أفكار علي شريعتي، بهدف توحيد المعارضة ضد نظام الشاه.

يختلط على هذا النحو نقد اليسار الليبرالي للمخرجات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية الغربية بنقد الإسلام السياسي لما يعده الانحلال الأخلاقي الغربي الناتج عنها، وتوظيف ذلك في سياسات تأجيج صراعات الهوية على المستوى الدولي. ويختلط نقد اليسار الليبرالي لعسكرة الديمقراطية مع نقد الإسلام السياسي لعموم العلاقات مع الغرب بوصف الأخير قوة هيمنة صليبية على مقدرات المسلمين المادية والثقافية، تستفيد من «ضعف الأنظمة الموالية للغرب»!

أما المثال المعاصر فهو عالم اللغويات والناشط السياسي نعوم تشومسكي، الذي تقاطعت قراءته لهجمات «القاعدة» على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بشكل مريع مع مبررات أسامة بن لادن. يرى تشومسكي أن الهجمات كانت نتيجة عقود من السياسات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى، مما أدى إلى توليد قدر كبير من الاستياء وردود الفعل العنيفة. تخدم انتقادات تشومسكي للسياسة الخارجية الأميركية بشكل غير مباشر سردية بن لادن بأن الولايات المتحدة هي عدو للعالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه، يعزز استخدام بن لادن للعنف والتطرف حجج تشومسكي بأن السياسات الأميركية تؤدي إلى تصعيد العداء وتفاقم الإرهاب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران ومظاهرات جامعة هارفارد إيران ومظاهرات جامعة هارفارد



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt