توقيت القاهرة المحلي 01:38:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عوالم «التكنولوجيا» ومخاوف الإنسان

  مصر اليوم -

عوالم «التكنولوجيا» ومخاوف الإنسان

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لو قُدّر لفلاسفةٍ مثل جيل دلوز أو بيار بورديو، وغيرهما من الفلاسفة الذين انشغلوا بصدمة ظهور التلفزيون قبل عقود من الآن أن يعيشوا عوالم التكنولوجيا التي تتفجّر في وقتنا الحالي، ماذا عساهم سيقولون إذاً؟! من شبه المؤكد تقريباً أنهم ربما سيصابون بالذهول.

الاكتشافات التي تحدّث عنها الفلاسفة في ذلك أصابها الضعف وفقدت بريقها ولم تعد قادرة على إثارة الدهشة، لم تعد كما كانت، بل حتى التلفزيون بات مطيعاً ومنصاعاً للتقنيات الحديثة مثل التطبيقات والمنصّات الرديفة التي وضعته على الرف وفي الهامش. أولئك الفلاسفة اعتبروا التلفازَ، ومن ثم السينما، من ذروات التقنية الحديثة، لكن التكنولوجيا بعد انطلاق عصر الإنترنت تطورت كثيراً وتحوّلت إلى أكسجين يستحيل الاستغناء عنه، لقد صارت مثل الضوء والماء والهواء.

إن نقطة التحوّل الأساسية ليست في التقنية التي نعيشها الآن بوصفها تحكم أعمالنا وتوجه عمليات التواصل فيما بيننا، وإنما بتحوّلها إلى نمط توريط مستهلك للوقت، فهي تسحبك معها في شبكاتها من معلومةٍ إلى فيديو، إلى مقطعٍ ضاحك، إلى نوادر من محاضرةٍ بالأبيض والأسود، إلى فقرةٍ لحيوانٍ يقفز، وهكذا دواليك. إنها تجرّك معها أينما يممت وجهكَ ومهما حاولتَ الإفلاتَ منها.

المنظّر في علاقة الإعلام والمجتمع نيل بوستمان ألّف في عام 1985 كتاباً بعنوان: «تسلية أنفسنا حتى الموت: الخطاب العام في عصر العرض التسويقي»، وقد اعتنى به ولخّصه الأستاذ يوسف عسيري لمجلة «حكمة».

مما ورد في الذي كتبه عسيري أن «بوستمان يجادل في كتابه بأنّ التلفزيون كأداة ووسيلة إعلامية نقلت الثقافةَ الأميركية إلى أن أصبحت حلبةً كبيرةً من العرض التسويقي الذي يحتوي على كل ما يهم الشأنَ العامَ في شتى المجالات، مثل الدين والسياسة والتعليم والاقتصاد وغيرها، حيث أصبح كل ذلك من أجل التسلية».

لكن لماذا صعّد المؤلفُ ضد الإرباك في علاقات التكنولوجيا بالوعي في كتابٍ ألّفه في منتصف الثمانينات؟! يجيب المترجم عسيري بأن بوستمان «يضرب مثالاً بأن التكنولوجيا للوسيلة الإعلامية هي مثل المخ بالنسبة للعقل، فالتكنولوجيا هي الجزء المادي للمحتوى الذي يمثل المجاز أو المعنى، فجاءت النتيجة غير متعمدة ولا متوقعة للتغير الهائل في التكنولوجيا لأنها غيرت طرائقَ التواصل والنقاش في الرأي العام، واستحالت بذلك إلى عقيدة تفرض نفسَها كنمط للحياة».

وأعلق على هذا العرض باختصار بأن التفوّق التكنولوجي هو بلا شك مؤثر على «بنية الخطاب» وعلى الأسس المعرفية أو أسئلة الحكمة، لكن التكنولوجيا لن تأخذ دورَ الإنسان في بناء الخطاب أو صياغة الحقيقة، وآية ذلك أن التطوّر التقني غيّر من سرعة البحث العلمي، ومن أساليب التعليم، ومن طريقة الاقتناع بالأفكار، إلا أنه لم يذهب بعيداً ليكون صانعاً للخطاب أو مبتكراً للحقيقة. ولا يزال الإنسانُ أقوى من التقنية، حتى وإن لم يسيطر عليها بشكلٍ مطلق. لقد كان هيدغر متنبئاً حين رجّح أن التقنية ستكون مفيدةً ما دامت تحت هيمنة الإنسان وسيطرته، وبرأيي أن الإنسان لا يزال يسيطر حتى على الذكاء الاصطناعي.

الخلاصة؛ أن التفوّق التقني مربك، وربما تشعّبه مقلق، كما أن انفلاته يبدو مزعجاً، وشبكاته التي تطوّقنا تخنقنا، غير أن هذا ثمن تفوّق العقل البشري، وحين نخاف لا بد أن نواجه، لا أن نهرب. نعم في الأزمات تتبدّى مشكلات كبرى مع التقنية بوصفها دخول إعاقةٍ لا دخول إضافة، لكن الأكيد أن التهويل النظري الذي طُرح حول عوالمها معظمها تهاويل، وآية ذلك أن القوانين الصارمة والقوّة البشريّة استطاعت أن تحد من هيمنتها عليه، وبالتالي فإن درسها والسيطرة عليها أهمّ من الهجوم العامي، إنها مثل الطوفان الهائج لا بد من التعامل معه بطرقٍ قانونيةٍ وبتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية وبدعمها بالأطر النظريّة الحكيمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عوالم «التكنولوجيا» ومخاوف الإنسان عوالم «التكنولوجيا» ومخاوف الإنسان



GMT 18:52 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

وساطة المشير عاصم

GMT 18:49 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

اختطاف هرمز... وإغراء الأجانب بالحضور!

GMT 18:47 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

الخلاف مع إيران ليس مذهبيّاً

GMT 18:45 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

لبنان الهشّ... بين اجتياحَي 1982 و2026

GMT 18:40 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

معركة الاستقلال الدبلوماسي في لبنان

GMT 18:38 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

المجر... أوربان أمام تحدٍ قد يقلب المشهد

GMT 18:32 2026 الأحد ,12 إبريل / نيسان

خمس بقرات في المدرسة

GMT 10:56 2026 السبت ,11 إبريل / نيسان

حول صعود دور القوى المتوسطة

هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 14:44 2016 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

تعافي سعود لاعب 100 متر جري من الاصابة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 06:38 2015 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

"الصحة" تفتتح "وحدة زراعة الكبد" في مستشفى معهد ناصر

GMT 21:10 2020 الجمعة ,26 حزيران / يونيو

اللاعب المصري محمد عواد يعلن إصابته بكورونا

GMT 13:13 2020 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

رد ناري من "حنين حسام" على المذيع نشأت الديهي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt