توقيت القاهرة المحلي 20:45:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التوظيف الآيديولوجي واستعمال القضية

  مصر اليوم -

التوظيف الآيديولوجي واستعمال القضية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

في صيف 2009 كنت نازلاً من بلدة برمانا نحو مطار بيروت؛ ولأن الطريق طويلة ولأن السائق يعلم أنني كاتب أعاد سيَر الحرب والصراع.

استعاد «حرب تموز 2006» وسألتُه: ما الذي يجري في القرى التي لا شأن لها بصراع «حزب الله» مع إسرائيل آنذاك؟ قال بالحرف الواحد: «كنا نعيش حياتنا اليومية بمباهجها كأن شيئاً لم يكن لأن هذا صراعٌ لا يخصنا، ونعلم أننا لن نُستهدف». قبيل موسم الرياض رأيتُ الهجوم على هذا الكرنفال الأسطوري، يريدون إطفاء جذوته من دون أي مبرر، بحجة وجود هذه المشكلة أو تلك. بقيت الكازينوهات العربية تعمل حتى في أشدّ الأوقات العربية تأزماً، وحين قُصفت دول الخليج بالصواريخ نأى وزراء خارجية دول عربية بأنفسهم، وحين ضُربت مصافي «أرامكو» احتفل البعض... إنها معضلة شديدة الخطورة في التفكير العربي حيال توزيع أهمية القضايا، كأن ثمة قدسية لموضوع وبقية الأوطان هوامش. للأسف هذا هو الذي يجري الآن، في كل بلدان العرب حفلات وطرب يومي، لماذا التركيز على السعودية؟!

كتبتُ الكثير عن مفهوم الترفيه؛ فهو ليس اعتباطياً، بل أساس من حيوية اليوم لدى الإنسان، وتطرّق إليه فلاسفة كبار، منهم حنه أرندت. ومما أكدته أن الترفيه مفهوم عام، يشمل كل ما يخفف من أعباء الإنسان في الحياة. وحين يكون الترفيه مرتّباً مرعياً ضمن عملٍ مؤسسي، فإنه يسهم في تمتين معنى الدولة، ويغذي المجتمع معرفياً، ويرفد الجانب التربوي للأجيال الصاعدة، هذا مع كون الترفيه عملاً حيوياً يُعنى بالتواصل مع الأشياء والعلاقة مع الآخرين، وصقل الذوق، والتدرب على تحسين الاختيارات، مما يسهم في القدرة على تقليل مستوى الضغط الاجتماعي المؤذي سياسياً. بل للترفيه نتائجه الكبرى المفيدة تنموياً، والمُعينة على مساهمة المجتمع وتفاعله مع السياسي في اتخاذ الإجراءات الصائبة تنموياً واقتصادياً واجتماعياً، فالمجال الترفيهي بقدر ما هو رحب، فإنه يعزز من كفاءة الإنسان في وجوده ومحيطه.

ولنعد إلى أطروحة مهمة لباربرا ويتمر -أشرتُ إليها من قبل- المعنونة بـ«الأنماط الثقافية للعنف»، ترى الكاتبة فيها «أن الأنماط الثقافية للعنف هي أشكالٌ من القبول التي تعبّر عنها خطب الرموز والمؤسسات والمعتقدات، والمواقف والممارسات الاجتماعية في الثقافة، ويشير العنف إلى إيذاء أو تدمير الجسد، أو العلاقة التي يقوم بها شخص ضد الآخر، أو جماعة ضد أخرى». ثم تشير إلى دور الثقافة في النأي بالعنف عن أنماطه، إذ «التعبيرات الخلّاقة في المجتمع هي التي تتجسّد في هندسة البناء والموسيقى والعلوم والمؤسسات التعليمية والفنون التطبيقية».

بالتأكيد؛ الإنسان كائنٌ ضاحك، يقاوم حيرته بالسخرية، ويباغت وجوده بالحركة والقول، ويؤنس وحشته بالحوار، ويذلّل من أسئلته الكبرى عبر توزيعها على شخصياتٍ تتكوّن منها مسرحيّته في ذهنه ووجوده، ومن المسرح انطلقت الرؤية الحوارية الحقّة، حيث تسلسل الأفكار بين المتحاورين، وتكثيف الرؤى بين الشخصيات المتناورة على المسرح، ولأن المسرح ليس منبراً، فإنه يعزز من دور المشاهد الحاكم على هذه الصيغة المطروحة، ويناشده أن يشاركه المسرح من خلال عينه، أو ضحكته، تصفيقه أو امتعاضه. ولأن المسرح هو الأب الروحي للفنون، والمنصّة الأكثر سحراً وإدهاشاً في تاريخ البشر، فيمكن عدّه أساسياً في مجال الترفيه. في العصر اليوناني بدأ المسرح متنقّلاً بين المدن بالركح الخشبي، إلى أن أصبح لكل مدينة مسرحها، به ينفّذ الفكر والشعر، وتطرب الأذن والعين، ويغذَّى العقل، هكذا كان الإنسان منذ خمسمائة سنة قبل الميلاد.

بالفنون، والترفيه، يمكن تأسيس نمط من الفهم للآخر، وللعالم المختلف، وللثقافات المتنوّعة. تذوي الحقائق الصماء بفضل شمس الفن ونور الترفيه، لأنه يمتاز عن التثقيف بكونه ليس رسالياً أو مباشراً في تأثيره، بل له مخاتلته، كما أنه مرغوب من أكثرية المجتمع، بعكس النظرية الثقافية أو التغيير بالكتاب والقلم والقصّة. وحين يتأسس مجال رحب مشبع بالترفيه تتصاعد الرغبة في الحياة، وتخفّ عدوى اليأس، ويُكسّر جليد المقاومة للآخر، والمعاندة له، ونهبط من عليائنا النرجسية التاريخية إلى الأرض، حيث البشر الآخرون، والأمم المشاركة لنا بهذا الكوكب.

سمعنا الكثير من المزايدات، والبعض استغل الفرص لتفعيل ذلك من خلال مهرجانات، وهذا فيه نقص في الإنصاف، فالسعودية أكبر دولة داعمة للقضايا الإنسانية، وهذا مثبت بالأرقام وفي المواقع الرسمية الحكومية يمكن استفصال ذلك.

الترفيه مشروع وطني ولا يتناقض مع أي قضيةٍ أو موضوعٍ آخر. ثمة فرق بين القضية التي تتعامل معها الدول بطريقةٍ مدنية، وبين إرادة البعض استعمالها وسيلةً آيديولوجية يُراد منها التحفيز على التحزّب أو الانضواء وراء الحركات الأصولية المارقة.

الأمير محمد بن سلمان، في حوارٍ معه، كانت رؤيته حول الترفيه واضحة فصيحة، حين أجاب: «مستوى دخل السعودي من أفضل دول العالم، لكنّ المشكلة أنه لا توجد الأدوات التي يستطيع أن ينفق فيها هذا الدخل، بشكلٍ ينعكس على رفاهيته في الحياة». جاءت هيئة الترفيه، وستحطّ الشركات الترفيهية الأجنبية بالسعودية، لصناعة بيئة رحبة. الترفيه ليس ترفاً، بل عصب أساسي ومكوّن رئيسي، من دونه لا يكتمل وجود الإنسان الحقيقي. وقد أكد ذلك، في حواره مع «ذا أتلانتيك»، أن الخلاف حول الفقهيّ له وروده، ولكن للمصلحة قوتها الشرعية والسياسية.

الخلاصة؛ إن استعمال القضايا بغية المزايدات الشعبوية، وكسب الإيرادات الفنية أمر مخل بالذوق، فالضيوف دائماً يلتزمون قواعد المضيف، وهذا ينشأ بالتربية، إن العرب أو «البدو» لديهم «سستام» أو «سلوم العرب» أي الأسس، وهي لا تدرّس في المناهج وإنما تُكتسب عبر التربية والتعاقد، وعليه فإن أي استثمار لفرصةٍ لتوجيه مزايدةٍ إنما هو لؤم صريح، واستهتار فصيح.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التوظيف الآيديولوجي واستعمال القضية التوظيف الآيديولوجي واستعمال القضية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

GMT 15:40 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%
  مصر اليوم - زيلينسكي يؤكد أن اتفاق السلام مع روسيا بات جاهزا بنسبة 90%

GMT 15:15 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

الثوم يعزز المناعة ويخفف أعراض الزكام
  مصر اليوم - الثوم يعزز المناعة ويخفف أعراض الزكام

GMT 16:17 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

تظاهرات الطلاب في إيران تمتد إلى 10 جامعات على الأقل
  مصر اليوم - تظاهرات الطلاب في إيران تمتد إلى 10 جامعات على الأقل

GMT 08:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج القوس الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

التفاصيل الكاملة لذبح "عريس عين شمس" على يد 22 بلطجيًّا

GMT 13:48 2021 الخميس ,15 إبريل / نيسان

التنانير الطويلة موضة في عروض الأزياء العصرية

GMT 10:39 2021 الخميس ,27 أيار / مايو

أسعار النفط تتجه إلى المنطقة الحمراء

GMT 20:14 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

أنغام تطرح أغنيتها الجديدة "ونفضل نرقص "

GMT 04:49 2019 الخميس ,13 حزيران / يونيو

موجة من صيحات الموضة يشهدها موسم ربيع وصيف 2019

GMT 11:21 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحوت السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 11:22 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل عجينة خبز بالشوفان

GMT 05:16 2019 الأحد ,05 أيار / مايو

تصوير 80% من مشاهد "قمر هادي" لهاني سلامة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt