توقيت القاهرة المحلي 00:32:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حلم ما بعد الانتخابات

  مصر اليوم -

حلم ما بعد الانتخابات

بقلم : داليا سعودي

 فى أعقاب أى انتخابات رئاسية فى العالم، ثمة لحظة يقف فيها الرئيس المنتخب ليلقى خطابه الافتتاحى، مرتكزا فيه على فكرة محورية تتمثل فى رأب الصدع الذى أحدثه حوار مجتمعى صاخب استتبعته طبيعة الانتخابات التنافسية. هى لحظة يؤكد فيها الرئيس المنتخب ديمقراطيا أنه سيكون رئيسا لكل طوائف الشعب، من صوتوا له أو صوتوا ضده، أو امتنعوا عن التصويت لسبب أو لآخر. هى لحظة التعهد أمام الجميع بالسعى مع جميع أجهزة الدولة إلى تضميد الجراح وتوحيد الأمة وخدمة مصالح الجميع على حد سواء. وهو تعهدٌ يدخل فى ديباجة خطاب الفوز التطمينية تنتظره كل المجتمعات وتمهد له المنابر الإعلامية بل تشير إلى غيابه إن هو غاب. مثل هذا الخطاب هو أكثر ما نحتاج إليه اليوم، لاسيما أننا فى نسختنا المصرية من الانتخابات قد شهدنا موجة جديدة من سجال الاستقطاب المحموم على الرغم من انعدام أى مستوى للمنافسة أو لعله ناتجٌ عن غياب تلك المنافسة. نسختنا الجديدة من سجالنا الإقصائى تحررت من كلِّ إسار أخلاقى وانفلتت من كل ضابط عقلانى وعادت تدور بقوة فى جميع دوائرنا الخاصة منها والعامة، حتى باتت تقتضى وقفة حقيقية، تصدق فيها النوايا وتتسابق فيها الهمم لتهدئة حالة الصراع المجتمعى المزمن التى نعيشها فى مصر منذ سنوات.

***

لعل القارئ الكريم قد بدأ يستشعر طوباوية مطلبى فى هذا المقال، أو لعله الآن يتهكم من غفلتى عن أبعاد الصراع وعن حجم العوائق التى تزداد مَنعة وضخامة كل يوم. لكننى أزعم أننا لا نمتلك خيارا آخر، وأن المضى على الطريق نفسها بات مؤذنا بكارثة محققة تتجسد فيها مقولة صراع الكل ضد الكل، وتتماهى فيها حدود السلطة والتسلط والعنف على جميع المستويات.

فى ركاب الانتخابات، رأينا التلويح بتغريم الممتنعين غرامة مالية. رأينا بين نواب البرلمان من دعا لترحيل الممتنعين عن التصويت أو تجريدهم من جنسيتهم المصرية. رأينا ذلك المحافظ الذى لم يرَ حرجا فى سبِ الممتنعين علانية، ليخرج علينا بعد يومين مبررا تعديه بقوله إنه كان يشتم «أهل الشر»، لتتسع تلك التسمية الفضفاضة وتشمل كل من لم يمارس «الحق» الذى يكفله الدستور لكل مواطن بالمشاركة فى الاقتراع. وبالطبع رأينا الأداء الإعلامى المتهجم على كل من لم يشارك فى «العرس الانتخابى» لسبب أو لآخر. وطالعنا بكل صورة صيحات التخوين والتآمر ونزع الوطنية التى شملت كل من طالب أو تساءل أو تكاسل ناهيك عما أصاب كل من سولت له نفسُه الرفض أو الانتقاد أو التشكيك.

ومن الدوائر العامة إلى الدوائر الخاصة، انتقل الشقاق إلى البيوت، فارتدى صراعُ الأجيال حلة فاشية حولت كل عائلة إلى بؤرة شقاق، ودفعت العلاقات الأسرية إلى مستوى جديد من التردى، وبددت وهم الاستقرار الذى قيل إنه المطلب الأول للخروج فى هذه الانتخابات. فإذا ما أردنا استجلاء مبلغ تبدد السلام المجتمعى وتفاقم الكراهية فما علينا سوى القيام بجولة سريعة على شبكات التواصل الاجتماعى لنرى كيف تُستَلُ الأسلحة من أغمادها، وكيف يتطاعن المواطنون فى الشرف وفى العرض وفى الولاء لتراب هذا الوطن الحزين.
***
لا أتحدث اليوم عن ديمقراطية الصناديق، ولا عن أمنيات الحياة السياسية المنشودة، بل أتحدث عن أساسيات التلاحم المجتمعى التى من دونها سنستحق عن جدارة صفة «دولة الأشلاء». أتحدث عن العنف المتربص عند ناصية كل حوار عادى، المطل برأسه نتيجة لنفير التعبئة المنطلق من برامج الكلام الليلية، والمنفلت بخشونة من مزايدات الممسكين بزمام الأدوات القمعية. هذا العنف المجتمعى الذى لم يعد يتخفى تحت قفازات مخملية، بل راح يضرب فى مواطن الضعف ليقسم المقسم ويوسع خنادق الاحتراب، حتى أوشكنا أن نتحول داخل الوطن الواحد إلى جزر متفرقة شبيهة بدويلات الطوائف.

***

مثل هذا العنف المجتمعى أحلم بأن تخف وطأته الثقيلة فى بلادى. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون إرادة سياسية حقيقية لفتح صفحة إنسانية جديدة مع الشعب. إرادة تخفف القبضة الحديدية وتفتح مسارات حقيقية لإزالة الاحتقان. لكن فى انتظار هذه الخطوة المأمولة، أدعو جميع الضمائر أن تتحرى مصلحة هذا الوطن، وجميع الألباب أن تتعقل، وجميع الألسنة أن تتعفف، علنا نأخذ هدنة لازمة للتفكير والمراجعة واستعادة الذات الوطنية المرهقة.

****

ختاما، لعل فى أحد المواقف التى مررتُ بها صورة لكيفية تعامل الشعوب الأخرى فيما بينها فى أوقات احتدام المنافسة الانتخابية. ففى اجتماع مع معارف جدد، فى أعقاب الانتخابات الفرنسية فى مايو 2007، سألتُ محدثتى الفرنسية عن المرشح الذى منحته صوتها، فابتسمت السيدة فى حرج ونظرت إلى والدتها وقالت، نحن عادة لا نناقش هذه الأمور حتى فى محيطنا العائلى. فكل منا يدلى باختياره فى الصندوق بمنتهى التكتم سدا لأى ذريعة للخلاف الجالب للشقاق. فالديمقراطية هى مناط سلامنا المجتمعى سواء فى البيت، أو فى العمل، أو فى الشارع. نستودعها أشواقنا، ونحافظ بفضلها على سلامة علاقاتنا. وابتسمتُ وأنا أطالع هذا النموذج. إذ تبين لى من خلال المحادثة أن الأم كانت تؤيد لوپن والابنة صوتت لماكرون. وها هما أمامى، تمد البنت يدها للأم لتساعدها على النهوض وهما تتبادلان الابتسامات فى عذوبة وانسجام.

نقلاً عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حلم ما بعد الانتخابات حلم ما بعد الانتخابات



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 01:32 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026
  مصر اليوم - 8 وجهات أوروبية تتصدر المشهد السياحي في 2026

GMT 20:04 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا
  مصر اليوم - بعد تهديدات ترامب الرئيس الكولومبي يتعهد بحمل السلاح مجددا

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 07:47 2024 الأربعاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

نصائح لتحديد أفضل وقت لحجز رحلاتكم السياحية بسعر مناسب

GMT 22:26 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

التموين المصرية تسعد ملايين المواطنين بأول قرار في 2020

GMT 01:53 2019 الأربعاء ,11 أيلول / سبتمبر

جنيفر لوبيز تظهر بفستان من تصميم ياسمين يحيى

GMT 01:27 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

فلسطينية وصومالية في مجلس النواب.. وعظمة أميركا

GMT 11:40 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

سيدة مصرية تخنق زوجة ابنها خوفًا من الفضيحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt