توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

آيات القتال

  مصر اليوم -

آيات القتال

بقلم: د. محمود خليل

أسرف سيد قطب فى الحديث عن آيات القتال والاستدلال بها على التأصيل لمفهومه المختزل لـ«الجهاد فى الإسلام». والمُراجع للأفكار التى ردَّدها الرجل فى هذا السياق، سواء داخل كتاب «المعالم» أو فى غيره، يجده متأثراً كل التأثر بما كتبه المفسرون القدماء، دون محاولة للتجديد ترتكز على الوعى بالسياق الذى أُنتجت فيه هذه التفاسير والالتفات إلى ظروف الواقع المعاصر الذى يؤصِّل «قطب» لأفكار سيكون لها بالغ الأثر فيه. أولى الآيات الكريمة التى رخّصت للمسلمين فى القتال هى قول الله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (سورة البقرة - الآية 190). يقول «الطبرى» فى تفسيره: هذه الآية هى أول آية نزلت فى أمر المسلمين بقتال أهل الشرك. وقالوا أُمر فيها المسلمون بقتال من قاتلهم من المشركين والكف عمَّن كفَّ عنهم، ثم نُسخت بـ«براءة». يحذو الكثير من المفسرين حذو «الطبرى» ويرون أن مبدأ إلزام المسلم بعدم قتال الغير إلا فى حالة الاعتداء على دولته، تم نسخه «أى إزالة حكمه» بعد نزول سورة التوبة التى تبدأ بالآية الكريمة» «بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».

يتبنى سيد قطب وغيره من المنظِّرين لفقه الدماء الطرح الذى قدمه قدماء المفسرين، ويرى أن للمسلم أن يبدأ بالاعتداء على الغير من أجل إزالة طواغيت الأرض التى تحول بين الجماعة المسلمة -وما أكثر الجماعات- والوصول بدعوتها إلى الشعوب. ولست أدرى هل الحيلولة هنا تتم بين المتطرفين والشعوب أم بين المتطرفين والوصول إلى كراسى الحكم؟. يرى سيد قطب أن مبدأ «عدم الاعتداء على الغير» لم يعد ملزماً بعد نزول سورة «براءة» التى تقول الآية رقم (5) منها «فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»، وتقول الآية رقم (29) منها: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ». استند سيد قطب وغيره إلى هذه الآيات فى إباحة الاعتداء على الغير ونفى مبدأ «الحرب الدفاعية» الذى رسخته الآية 190 من سورة البقرة.

ارتكن سيد قطب على قاعدة «الناسخ والمنسوخ» فى القرآن فى التأصيل لأفكاره الجهادية. وتشير هذه القاعدة إلى أن بعض آيات القرآن الكريم التى نزلت فى ظروف لاحقة تنسخ -أو تزيل حكم- آيات أخرى نزلت فى ظروف سابقة. مثل آية «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» التى ألزمت المسلم بالصيام، وقد نسخت آية سبقتها تقول: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ» والتى كانت تخير المسلم بين الصيام أو الإفطار مع إطعام مسكين عوضاً عن كل يوم يفطره. وعلى هذا المنوال نسخت آيات القتال فى سورة التوبة الآية (190 من سورة البقرة) التى تلزم المسلم بعدم الاعتداء. وموضوع الناسخ والمنسوخ يشكل إحدى الإشكاليات الكبرى التى أربكت المفسرين وقراء القرآن الكريم. ولأن أغلب الآيات المنسوخة (التى أُزيل حكمها) نزلت بمكة، وأغلب الآيات التى نسختها (أحلت أحكاماً جديدة) نزلت بالمدينة، فإن الطرح الذى يقدمه سيد قطب وأمثاله يشعرنا بأننا أمام قرآنَين: «قرآن مكة، وقرآن المدينة»، وبصدد إسلامين: «إسلام مكة، وإسلام المدينة». عبر هذا الطرح يسىء «قطب» ومشايعوه إلى الإسلام وكتابه الكريم إساءة بالغة، وهى تعد مواصلة لذات الإساءة التى دمغ بها قدماء المفسرين القرآن الكريم، حين أرادوا حل لغز تناقض الأحكام التى تحملها بعض الآيات من خلال الحديث عن «الناسخ والمنسوخ»، لأنهم تبنَّوا رؤية أحادية فى فهم القرآن، وسعوا إلى تثبيت حكم واحد فى المواقف المتغيرة، حتى يردوا على الشبهات التى يثيرها البعض بوجود تناقض بين آيات القرآن، وفى ظنِّى -والله أعلم- أن المسألة ليست كذلك. فالقرآن الكريم يتبنى مع البشر فكرة «المسارات المتنوعة» التى تقدم بدائل مختلفة يمكنها التناغم مع التحولات الزمنية والتغيرات المكانية واختلاف الظروف والسياقات، وذلك خلافاً للرؤية الأحادية الباحثة عن الجمود والثبات التى تبناها سيد قطب وحذا فيها حذو قدماء المفسرين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آيات القتال آيات القتال



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt