توقيت القاهرة المحلي 18:24:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

آدم المصرى

  مصر اليوم -

آدم المصرى

بقلم: د. محمود خليل

تصور المصريين لآدم عليه السلام ولحياته فى الجنة، ثم رحلة شقائه على الأرض لا يبرح عتبة الثقافة المحلية، وما تقدمه من تصورات للحياة والأحياء، وكذا للعالم الآخر، ونعيم جنانه وعذابات جحيمه.

ليس المصريون وحدهم كذلك، بل كل شعوب الأرض. ولا تجد لوحة أشد اكتمالاً للتعبير عن تصوّر المصريين لـ«آدم» من اللوحة التى قدمها نجيب محفوظ فى رواية «أولاد حارتنا».

فالحكاية الأولى «أدهم» التى تحمل رمزية إنسانية عالية لآدم الأول وكل الأوادم الذين تدفقوا من صلبه بعد ذلك تقص عليك حكاية «أدهم المصرى» بكل تفاصيلها، فتجد فيها النزعة القدرية والتسليم للإرادة العليا التى كانت سبباً فى وجوده فى الحياة، وميلاً عميقاً إلى الحياة الرخوة غير المرهقة المحتشدة بالملذات الروحية والمادية، والترخص فى تسليم عقله إلى أقرب عابر سبيل لقبول ما قد تأباه نفسه، والصبر على البلاء وعند مواجهة مشكلات الحياة.

ثمة أمران يستحقان التوقف أمامهما، ونحن نستعرض لوحة السمات التى رسمها نجيب محفوظ لـ«آدم المصرى» وعبر عنه باسم «أدهم» فى روايته الشهيرة.

الأمر الأول يتعلق برائحة الحياة فى مصر أواخر القرن الـ18 وأوائل القرن الـ19 التى تفوح منها. فصورة «أدهم» فى «أولاد حارتنا» تتفق فى الكثير من سماتها مع الصورة التى رسمها كُتاب الحملة الفرنسية (1798 -1801) للمواطن المصرى فى مؤلفهم الشهير «وصف مصر».

الأمر الثانى أن بعضاً من السمات التى توافق فيها نجيب محفوظ مع كتاب «وصف مصر» وهو يرسم صورة «أدهم» ما زالت راسخة فى الشخصية المصرية، وبعضها الآخر تراجع وبقى فى حالة كمون، كما أن التجارب المتنوعة التى خاضها «أدهم» -وهو الاسم الرمزى للمواطن المصرى- أظهرت سمات أخرى فى شخصيته لم يتنبه لها نجيب محفوظ وكتاب «وصف مصر»، لكن يبقى أن السمات الأم التى تميز «أدهم» فى «أولاد حارتنا»، و«وصف مصر» تشكل إلى حد كبير الهيكل الأساسى للشخصية المصرية.

وفى كل الأحوال تمثل هذه السمات منطلقاً لتحديد وتوقع سلوك المواطن المصرى فى المواقف المختلفة، وردود أفعاله خلال الفترات التى شهدت محاولات لتغيير معالم شخصيته.

وثمة تجربة مهمة وبارزة فى هذا السياق (تجربة النهضة فى عصر محمد على) استنفر «أدهم المصرى» فيها كل ما يملكه من آليات الصمود والمواجهة للحيلولة دون إعادة صياغة الظروف المحيطة به وتغيير سلوكه وطرق أدائه ليخرج من قوقعة الماضى الفوضوى والخيالى الذى كان يميز حياته خلال العصرين العثمانى والمملوكى ليعيش حياة واقعية يتخلى فيها تدريجياً عن السمات التى أقعدت شخصيته عن النهوض، وجعلتها أشد استسلاماً لأحلام وأوهام عديدة عششت فى رأسه.

ولعل أخطرها حلم «الحديقة والناى» الذى ظل يطارد أدهم -كما يصف نجيب محفوظ- بعد خروجه من البيت الكبير ونزوله للعيش فى الخلاء، وأقعده فى العديد من المواقف عن التعاطى العقلانى مع ظروف الحياة وتحولاتها.

الزمن فى رواية أولاد حارتنا «عائم»، لكن كما ذكرت لك تستطيع أن تشتم فى أحداثها ومعالم شخوصها رائحة الحياة فى مصر أواخر العصر المملوكى، وهى خلافاً للدراسة (محددة الزمن) التى أعدها «دى شابرول» -أحد علماء الحملة الفرنسية- حول الشخصية المصرية وعادات وتقاليد المصريين.

وظنى أننا لو شاكلنا بين النصين وقرأنا هذا فى ضوء ذاك فبإمكاننا أن نخرج بمجموعة من السمات التى حكمت تصور المصريين لآدم الأول والذى ترجمه نجيب محفوظ فى شخصية «أدهم»، وسنضع أيدينا على الأغلال التى تقيد هذه الشخصية وتعرقلها عن التطور، وأولها «القدرية فى التفكير».

وعندما نحلل هذه المنظومة من السمات فى سياق تجربة نهضوية، مثل تجربة محمد على، فسوف يتجلى لنا تأثيرها على الحياة فى مصر بدرجة أعمق.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آدم المصرى آدم المصرى



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:47 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
  مصر اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt