توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المداراة والمماشاة والأبوية

  مصر اليوم -

المداراة والمماشاة والأبوية

بقلم: د. محمود خليل

كان محمد على يفهم المعالم الثقافية لشخصية «أدهم المصرى»، وقد عاينها بنفسه من خلال احتكاكه بنخبة المصريين الذين تعلموا فى المدارس والبعثات، وأراد أن يجعل منهم واحدة من روافع مشروعه النهضوى. كثيراً ما كان الوالى يلوم على أفراد هذه النخبة ترسخ بعض خصال «أدهم المصرى» بداخلهم. يذكر «شفيق غربال» فى كتابه محمد على الكبير أن الباشا كان فى حالات التقصير يقول للنخبة المحيطة به: «ولْتعلموا أنكم إذا لم تحوّلوا من خصالكم القديمة من الآن فصاعداً، ولم ترجعوا من طرق المداراة والمماشاة، ولم تقولوا الحق فى كل شىء، ولم تجتهدوا فى طريق الاستواء، ولم تسلكوا سبيل الصواب لصيانة ذات المصلحة، فلا بد لى من أن أغتاظ منكم جميعاً. وإذا كنت موقناً من تقدم هذا الوطن العزيز على أى صورة كانت وملتزماً فريضته علىَّ صرت مجبوراً على قهر كل من لم يسلك هذا الطريق المستقيم اضطراراً مع حرقه كبدى وسيل الدموع من عينى، فالذى أرجوه من الخالق -سبحانه وتعالى- أن يجعل نصيحتى هذه مؤثرة فى قلوبكم، حتى أشاهد منكم حُسن الحركة، وأعاين ما تستحقونه من الخير، وتقر عيناى بامتياز كل منكم حسب أقصى أملى».

المداراة والمماشاة أكبر مرضين عانى منهما الوالى وهو يتعامل مع أدهم المصرى. فعبر تجربته التاريخية المديدة احترف «أدهم» إخفاء مشاعره ومواقفه واتجاهاته (المداراة)، و(مماشاة) الواقع حتى ولو لم يكن مقتنعاً به، لأنه ببساطة يريد الراحة أو بالتعبير المعاصر «شراء رأسه». كان من العسير أن يستقيم هذا النمط من التفكير -البعيد عن الصدق والمصارحة- مع الوالى صاحب المشروع الكبير. محمد على فى المشهد السابق يحاول نصح النخبة بالتحرر من «المداراة والمماشاة»، وهو يهدد مَن لا ينفع معه النصح بأن يضطره إلى ذلك اضطراراً مع شفقته وانفطار قلبه عليه!. الوالى كان طموحاً ولا شك، لكن يبدو أنه لم يستوعب أن ما نسجه الدهر فى قرون لا يغيره شخص فى بضع سنوات. كان محمد على أشبه بحضرة الوالد -فى رواية أولاد حارتنا- الذى نظر إليه ولده «أدهم» نظرة إجلال واحترام، لكنه كان يحتار فى شخصيته التى تمزج بين القدرة الباطشة والرحمة والحنان الذى لا يحده ضفاف.

ومن جهته كان محمد على يضع نفسه فى صورة الأب الأعلم بما يحتاجه صغاره، والأقدر على تحقيق مصالحهم، والأكثر استيعاباً لما يصلح وما لا يصلح لهم. ومن هنا بنى علاقته بالأوادم المصريين تأسيساً على معادلة «الأبوة/البنوة». تأمل هذا المقطع الذى يناجى فيه الوالى صغاره قائلاً: «تعلمون أنى قد ناهزت سن الثمانين ولست فى تمنّى شىء لنفسى، بل كان تركى للنوم والراحة وبذلى لاجتهادى ليلاً ونهاراً إنما هو من أجل سعادتكم. وحيث إنى قد ربيتكم جميعاً من صغر سنكم وعلمتكم القراءة والكتابة فى المكاتب وأوصلتكم إلى ما أنتم فيه من الدرجات وقبلتكم أولاداً لى وصرت لكم أباً بحق، وجب أنكم لا تمتنعون من قبولى أباً لكم، بل تقبلوننى».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المداراة والمماشاة والأبوية المداراة والمماشاة والأبوية



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt