توقيت القاهرة المحلي 19:25:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدروشة.. والولس.. والانكسار

  مصر اليوم -

الدروشة والولس والانكسار

بقلم: د. محمود خليل

وقعت الواقعة وحدثت مذبحة الإسكندرية (11 يونيو 1882)، التى اتخذها الإنجليز ذريعة للتدخل العسكرى فى مصر. أطلق «عرابى» نفير الاحتشاد للدفاع عن مصر، وانطلق صوته الإعلامى «عبدالله النديم» يجلجل بتهيئة الأداهم نفسياً وإقناعهم بسهولة التحدى الذى يواجههم، وأن مدافع عرابى من ناحية ومدافع الدولة العلية من ناحية أخرى قادرة على هتك القوات الإنجليزية وهزيمتها هزيمة ساحقة. انطوى خطاب «النديم» على خلط واضح بين الحقائق والأكاذيب، لكنه فى كل الأحوال كان يتسق مع التركيبة النفسية والمزاجية لـ«أدهم»، ذلك الضعيف الباحث عن قوة.

حسابات كثيرة خاطئة وقع فيها «عرابى» أدت إلى سير الأمور فى معركة كفر الدوار، ثم التل الكبير، على غير ما يحب الأداهم المصريون الذين تطوّعوا لصد الهجوم على مصر. دار رأس الزعيم باحتشاد البسطاء من خلفه، وبتقرّب أعيان مصر إليه، وتزلّف سيدات البيت العلوى له. وجد الفلاح البسيط نفسه فجأة فى بؤرة الأحداث، ولأنه جزء من ظاهرة التديّن اللسانى الذى يسيطر على الشخصية الأدهمية، فقد شعر بأن المقادير التى وضعته فى صدارة المشهد كفيلة بأن تحفظه حتى النهاية، بعيداً عن أى حسابات عقلية يلفت من حوله النظر إليها. يقول «بلنت» صاحب كتاب «التاريخ السرى للاحتلال الإنجليزى لمصر»: «راح عرابى يسير بطريقة حالمة فى الطريق الذى رسمه له الحظ، وكبرت فى رأسه خرافة المصير الذى رسمه له القدر، وأن العناية الإلهية بعثته منقذاً لهذا الشعب. تدين أحمد عرابى هو الذى جعله يسلم نفسه بصورة خاصة إلى رجال الدين، الأمر الذى جعل الرجل يمضى أكبر جزء من وقته مع رجال الدين فى الأدعية والتلاوات، بدلاً من تمضيته فى مهامه الدنيوية الخاصة بتنظيم وتقوية الدفاع، ويبدو أن هذه العادة استمرت مع عرابى حتى النهاية».

فى لحظات التوتر الكبرى كثيراً ما يقفز ما فى داخل النفس إلى خارجها، لتتوارى حسابات العقل وراء ظلال كثيفة من أشواق النفس. كان «عرابى» مثل كل الأداهم المصريين وطنياً مخلصاً وحالماً كبيراً بالحياة العادلة، لكنه كان يماثلهم أيضاً فى تغليب أحلام «الحديقة والناى» على أحكام العقل والحسابات الواقعية. كان الأداهم الصغار يتحرّكون بالطريقة نفسها، ورغم ما دوت به ألسنتهم من هتافات لعرابى وحياة عرابى، إلا أن أغلبهم انصرف عنه فى هدوء عندما أصدر السلطان العثمانى فرماناً بعصيان «عرابى» وخروجه عن خليفة المسلمين!، ربما لم يكن لدى بعضهم قناعة فى السلطان ودولته العاجزة عن صد الإنجليز، لكن تدينهم اللسانى غلبهم. فقناعتهم بالخلافة كمظهر تفوق على قناعتهم بها كمخبر.

هكذا انتهت هوجة «عرابى»، كما سماها المصريون أيامها، وانقسم الأداهم إلى فريقين: فريق يرى أن اندفاع «عرابى» هو السبب فى احتلال مصر، فى حين رفع فريق آخر شعار: «الولس كسر عرابى»، منوهين بأن السبب فى هزيمته مردها خيانة الجميع له، لكن كلا الفريقين لم يتأمل نفسه وأحواله الأدهمية ليرى الحقيقة، التى تقول إن النفس التى لا تنتصر على ضعفها لا بد أن تحالفها الهزيمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدروشة والولس والانكسار الدروشة والولس والانكسار



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt