توقيت القاهرة المحلي 13:12:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البنّا و«روح القطيع»

  مصر اليوم -

البنّا و«روح القطيع»

بقلم: د. محمود خليل

وترٌ آخر فى المزاج المصرى أجاد حسن البنا العزف عليه، وهو وتر «القسمة إلى فريقين»، أيام الثورة العرابية على سبيل المثال انقسم المصريون إلى فريق «العرابيين» وفريق «الجراكسة.. الأبالسة»، وانقسموا أيام ثورة 1919 إلى «سعديين» و«عدليين»، وهكذا استمرت الحال.

«البنا» كان واعياً بهذا الوتر من أوتار «المزاج المصرى» فمال منذ اللحظة الأولى إلى العزف عليه فلم يكتف بتسمية جماعته بـ«الإخوان»، بل قرر أن يصف نفسه وإخوانه بـ«المسلمين» حتى يستقل بهم كفريق منفصل عن غيرهم ويعرّض بإسلام من يغردون خارج سرب الجماعة، ففريق الجماعة هو الذى يملك الفهم الصحيح للإسلام، وإسلامهم ليس إسلاماً بالاسم، كما هو حال غيرهم، بل إسلام بالقول والعمل كما يزعم الإخوان.

كان «البنا» حريصاً على تمييز أتباعه ومريديه عن غيرهم من المصريين. يقول محمود عبدالحليم فى «أحداث صنعت التاريخ» إن المرشد قرر إبراز الإخوان باعتبارهم فئة مميزة فتم اقتراح أن تكون الخطوات الأولى لذلك ممثلة فى ابتكار «شارة» خاصة بالجماعة، فكانت شارة السيفين المتقاطعين وبينهما المصحف وأسفل السيفين كلمة «وأعدوا»، كذلك قررت الجماعة إصدار مجلة تخاطب من خلالها الفريق الذى يلعب معها أو يتعاطف مع أفكارها، أجاد حسن البنا أيضاً توظيف «روح القطيع» فى الحشد الإخوانى، ونجح فى اللعب على سيكولوجية البسطاء واستغلال روح القطيع التى تحكمها وتسيطر على سلوكيات الفرد عندما يجد نفسه وسطها، اختار حسن البنا بعد انتقاله إلى القاهرة حى الناصرية بالسيدة زينب ليؤسس فيه المركز العام الأول للإخوان بالعاصمة، وهو حى يشتهر بالكثافة السكانية، ومنه انتقلت الجماعة إلى مركز جديد بالعتبة الخضراء.

يصف محمود عبدالحليم هذا الحى قائلاً: «كان ميدان العتبة إذ ذاك أعظم ميدان فى القاهرة وهو ملتقى المواصلات ومعترك التجارة ومهوى أفئدة أهل القاهرة والوافدين إليها من مختلف البلاد»، من حى العتبة أخذت الحركة فى التمدد واستقطاب المزيد من المريدين والأتباع، خصوصاً أنها آثرت التحرك بين الكتل والتجمعات، مثل نقابة معلمى التعليم الإلزامى، وشرعت أيضاً فى عقد المؤتمرات واستغلال كل المناسبات الممكنة فى حشد الأتباع والمتعاطفين.

تحرك «البنا» إلى المنصورة وأسيوط وبين صغار العمال والموظفين، واعتمد على ملاغاة المزاج الشعبوى بحيل وطرق جديدة تدق على الأوتار التى تسعده وتبهجه.

أدرك أن الروح الشعبوية تميل إلى الطرب فأنعشها بأناشيد جماعية يسكر فيها الجميع بمعانٍ خيالية بعيدة عن واقعهم المتردى وبأنغام تمزج بن أوتار الصوفية وطبول الزار الجماعى، داعب تقديس البسطاء للطقوس، فاتفق مع أذرعه المختلفة التى تتولى جمع الأتباع للاستماع إلى محاضرة المرشد بالمركز العام للجماعة، على تنظيم مسيرات تخرج من المساجد الكبرى، مثل مسجد السيدة زينب، بعد صلاة العشاء، وينخرط كل من يشارك فيها فى الإنشاد الجماعى بصورة تستلفت انتباه من يسيرون فى الشوارع والحوارى وتغريهم بالانضمام إلى ركب الطرب المتحرك، وكثيراً ما كان ينضم رواد جدد إلى المسيرات ليفاجأوا فى الختام بأنهم فى المركز العام للجماعة يستمعون إلى المرشد، ابتكر حسن البنا طقوساً جديدة فى المناسبات المهمة مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، فأمر أتباعه بتنظيم مسيرات التكبير والتهليل فى كل حدب وصوب وقرر أن يجعل الصلاة فى ساحة كبرى مكشوفة خارج العمار، بعد سنين طويلة اعتاد فيها المصريون الصلاة فى مساجد القاهرة العامرة.

يصف محمود عبدالحليم مشهد صلاة العيد قائلاً: «بعد صلاة الفجر خرجنا متوجهين لصلاة العيد وقد عوّدنا المرشد على أدائها فى مكان خارج المدينة فى مكان فسيح أشبه بالصحراء، ولم أرَ فى حياتى صلاة عيد فى مثل هذه الروعة. إن المسلمين عن بكرة أبيهم اتجهوا إلى هذا المكان فكلٌ يسلك الشوارع التى تؤدى به إلى مكان الصلاة، والكل يكبر تكبير العيد منذ أن يخرج من منزله حتى يصل إلى المكان، فكنت ترى جميع الشوارع تسيل بجموع المسلمين تصيح بالتكبير بصورة لا يملك الإنسان أمامها نفسه فترى الدموع تنهمر من العيون لروعة المنظر وروعة ما تسمعه»، لقد نجح «البنا» فى مغازلة روح «القطيع الشعبوى» بصورة غير مسبوقة!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البنّا و«روح القطيع» البنّا و«روح القطيع»



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt