بقلم : محمود خليل
العقل المصرى لم يتطور. ما زال غارقاً فى بحار الخرافة وأنهار العجز، وما يفتأ يردد فى مواجهة كل رعب أو فزع يقابله عبارة «اقتربت الساعة». فهو لا يرى فى الأمراض أو العواصف والأمطار أو الزلازل وغير ذلك من تهديدات سوى علامة من علامات الساعة. مؤخراً خرج أحد أعضاء دار الإفتاء مستغلاً أجواء القلق التى أصابت الناس من انتشار فيروس كورونا يقول إن الساعة اقتربت ولذلك يجب على كل إنسان الاستعداد للقاء الله وألا ينشغل بالدنيا عن الله. الكلام شديد العمومية لكن رواد التواصل الاجتماعى خصخصوه وربطوه بفيروس كورونا، وأخذ بعضهم يردد أن القيامة سوف تقوم، وحتى تزداد الإثارة بدأ البعض يربط ما بين «كورونا» والكوكب الذى سيضرب الأرض «مش عارف يوم إيه من الأسبوع القادم»!.
ربط القيامة بالأمراض وضربات الكواكب والمذنبات للأرض وغير ذلك ليس جديداً. وكثير ممن يرددونه واقعون من كتب تاريخ الجبرتى وابن إياس وغيرهما. يحكى «الجبرتى» واقعة طريفة تدور فى هذا الفلك شهدتها مصر خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر (عام 1734م)، فقد سرت شائعة بين المصريين تقول إن القيامة ستقوم يوم الجمعة الموافق 26 من شهر ذى الحجة من ذلك عام 1147 هجرية. يذكر «الجبرتى» أن الشائعة ظهرت فى القاهرة ومنها طارت إلى القرى والأرياف، فخرج الناس يودعون بعضهم البعض، وكان الإنسان يقول لرفيقه: «بقى من عمرنا يومان»، وخرج الكثير من الناس والمخاليع إلى الغيطان والمتنزهات، ويقول لبعضهم البعض: «دعونا نعمل حظاً ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة»، وطلع أهل الجيزة نساء ورجالاً يغتسلون فى البحر. وأواخر القرن الثامن عشر نفسه وتحديداً عام 1798 حاصر نابليون القاهرة وأمطرها بالقذائف المدفعية، فما كان من الناس إلا أن هرعوا إلى المساجد وأخذوا يرددون والأرض تهتز من تحتهم بفعل التفجيرات: «قامت القيامة. وزلزلت الأرض زلزالها. يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف». على هذا النحو جرت عادة كثير من المصريين عندما يواجهون أى خطر يتهدد حياتهم حتى يوم الناس هذا. فأقرب تفسير إلى أذهانهم أن القيامة ستقوم، وأن اقتراب الخطر علامة من علاماتها.
ثمة خلاف بين علماء الحديث حول حديث النبى، صلى الله عليه وسلم: «إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته». فهناك من يحكم بصحته، وهناك من يقول إنه موضوع. ولو أننا تأملناه فسنعلم أنه يحمل معنى عقلانياً جداً. علينا أن نفكر هل القيامة حالة خاصة بكل فرد، أم حالة عامة تتعلق بلحظة معينة تنتهى فيها الحياة على الأرض؟. الوعى بأن الإنسان تقوم قيامته عندما يلقى وجه ربه يرتقى بسلوكياته، ويدفعه إلى أن يؤدى بشكل أفضل أخلاقياً وسلوكياً، ويجنبه التفكير الرث والارتجاعى الذى يدفعه إلى الربط بين ظواهر كونية ذات طابع علمى، أو أحداث سياسية، أو أمراض متفشية، وبين علامات الساعة ليغرق فى أحاديث خزعبلية حول القيامة التى توشك أن تقوم، يمكن أن تدفعه إلى التفكير فى نيل ساعة حظ قبل قيام الساعة كما فعل أجدادنا!. ربنا يحسن ختامنا جميعاً.