بقلم : محمود خليل
المتتبع للتفاعل الأخلاقى من جانب البعض -كما عكسته مواقع التواصل الاجتماعى- مع انتشار فيروس كورونا ووصوله إلى ما يقرب من مائة من دول العالم، يلاحظ سيطرة أخلاقيات الشماتة والسخرية والعنصرية والذاتية على تدوينات وتعليقات وفيديوهات مستخدمى هذه المواقع، واللافت أنها كانت أيضاً مثار اهتمام بعض وسائل الإعلام. وهى فى غالبها تحمل معايرات شعوب لبعضها بـ«الكورَنة» فى وقت لم يتكورنوا هم، وشماتة ظاهرة نحو شعوب بسبب خصومات سياسية، وعنصرية ضد شعوب وتحميلها ذنب ظهور الفيروس، وذاتية فى النظر إلى أخبار الإصابة بالفيروس وكأنه بعيد عن قارئها.
فما إن ظهر فيروس كورونا داخل مدينة ووهان الصينية، حتى بدأ البعض فى السخرية من الشعب الصينى والتندر على طقوسه فى الطعام والشراب، وكيف أنه يأكل كل ما يمشى على قدمين أو يطير بجناحين، وغير ذلك من ترهات، وفى سياق مفهوم «احتكار السماء» وأن الله رب المسلمين دون غيرهم قرر البعض أن الفيروس الذى سقط على الصين انتقام إلهى من قمعهم لمسلمى «الأيغور». بعدها غزا الفيروس دولة إيران التى يدين أغلب سكانها بالإسلام، فردد البعض أن السبب فى ذلك فساد عقيدتهم وعدم امتثالهم لمذهب أهل السنة والجماعة. بعدها تسلل الفيروس بهدوء إلى بلاد السنة والجماعة. فى هذه المرحلة من انتشار المرض كان بعض الأوروبيين يطمئنون أنفسهم بأن الفيروس لا ينتشر إلا فى الدولة المتخلفة على مستوى البنية التحتية الخدمية والصحية والمكتظة سكانياً، فجأة ظهر داخل دول أوروبا، وزحف إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد وصل الأمر بإيطاليا إلى حد تفريغ شوارع مدن كبيرة بأكملها من المارة، وآوى شعبها فى أغلبه إلى البيوت، وفى ألمانيا خرجت المستشارة أنجيلا ميركل تردد ما يقوله الخبراء من احتمالية أن يصيب الفيروس ما بين 60% إلى 70% من الألمان!.
أمام أحداث المرض، يفكر كل إنسان مثلما يفكر أمام حدث الموت، حيث يردد فى نفسه أن «ذلك قدر الآخرين وليس قدرى». البعض لا يستسلم ببساطة لفكرة أنه من الوارد أن يصاب بفيروس مثل فيروس كورونا، كما أصيب غيره، وعندما يسمع أن إنساناً مات به فإنه يصرف عن عقله أى هواجس تقول إن من الممكن أن يموت بما مات به غيره. البعض يتصور أن المرض والموت أحداث تعمل خارجه، وأنهما بعيدان عنه، رغم أنهما أقرب إلى جميع خلق الله من حبل الوريد.
يقول الله فى كتابه الكريم: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً». أولى بالمثرثرين انطلاقاً من العنصرية الدينية أن يتمثلوا أخلاقيات ما يزعمون أنهم يؤمنون به. وأولى بالشامتين فى غيرهم من البشر أن يتأملوا قول المسيح عليه السلام: «لا تدينوا لكيلا تدانوا لأنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم»، فيفهموا أن ما يختزنه صدرك لغيرك ما أسرع أن يأتيك سهمه، أما الذاتيون فعليهم أن يفهموا أن العالم أصبح «أوضة وصالة»، وأن كورونا أثبت أن الكل فى الفيروس سواء.